اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٥ أذار ٢٠٢٦
د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
كشفت المرحلة الأولى من حرب إيران تحولا عميقا بعيدا عن تبادل الصواريخ والطائرات المسيرة والعمليات السيبرانية الظاهرة، ممثلا في دور الذكاء الاصطناعي في بنية القرار العسكري. ليس التحول في السرعة فقط، بل ظهور ما يسمى الحرب الخوارزمية، حيث تشكل خوارزميات تحليل البيانات والتعلم الآلي منهجية تحديد الأهداف وتنفيذ الاستراتيجيات العسكرية.
من أبرز نتائج هذا التحول عودة استراتيجية قطع الرأس. ففي الفكر العسكري الكلاسيكي تعني هذه الاستراتيجية استهداف القيادة لتعطيل منظومة القيادة والسيطرة لدى الخصم. لكن هذه الاستراتيجية لم تكن فعالة تاريخيا لصعوبة تنفيذها للموارد الضخمة التي تتطلبها. نقص المعلومات وبطء اتخاذ القرار يؤدي إلى إفلات الهدف كلما كانت الفرصة مواتية. لكن بدأ الذكاء الاصطناعي في تغيير هذه المعادلة.
أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم قادرة على إغلاق الفجوة وتسريع عجلة التنفيذ. يمكن تحليل صور الأقمار الصناعية، ولقطات الطائرات المسيرة، واعتراضات الاتصالات، والبيانات الرقمية المختلفة لاكتشاف أنماط يصعب على المحللين ملاحظتها آنيا. فقد صممت وزارة الدفاع الأمريكية برامج مثل (مايفين) لأتمتة تحليل البيانات لتختصر ما يسمى بسلسلة القتل التي تمر بمراحل كانت تستغرق أياما من المتابعة لاختيار الهدف وتحديده وتعقبه واتخاذ القرار ثم تنفيذ الضربة، لتستغرق الآن دقائق.
لكن يوجد تحول أعمق في استراتيجية قطع الرأس نفسها، فلم تعد لقطع رأس واحد بل شبكة من الرؤوس. تقليديا كان المتاح استهداف شخصية واحدة، مثل ابن لادن أو قاسم سليماني، وكان الاختيار رمزيا فلا يؤدي إلى تعطيل التنظيم كله.
أما قطع الرأس الشبكي فله منطق مختلف. فبدلاً من استهداف شخص واحد، تستهدف شبكة اتخاذ القرار بأكملها. ومن منظور نظرية الشبكات تعتمد المنظمات على عقد مركزية شديدة الارتباط، وهي الأفراد الذين ينسقون تدفق المعلومات واللوجستيات والتخطيط العملياتي. وإذا اختفت عدة عقد في الوقت نفسه، تصاب الشبكة بشلل مؤقت.
يمتلك الذكاء الاصطناعي ميزة نسبية لاستهداف هذه الشبكات. فمن خلال تحليل أنماط الاتصال وحركة الأفراد وبيانات التنسيق العملياتي يمكن للأنظمة الذكية رسم خريطة للعلاقات داخل بنية القيادة وتحديد الأشخاص الأكثر مركزية في عملية اتخاذ القرار. وعندما يقترن ذلك بدمج المعلومات الاستخباراتية الآنية يصبح من الممكن اكتشاف اللحظات التي يجتمع فيها عدة أهداف عالية القيمة في موقع واحد، مما يتيح استهدافها في وقت واحد.
المنطق الاستراتيجي لهذه المنهجية يعيد إلى الأذهان أقوال صن تزو التي تتجنب تدمير الجيوش وتفضل تعطيل خطط العدو ومنظومة قيادته. والحرب الخوارزمية، المدعومة بتحليل الذكاء الاصطناعي، يقترب الصراع الحديث من هذا التصور.
هكذا تتحول الحرب تدريجيا من تدمير القوات المادية إلى تعطيل نظم اتخاذ القرار. ومع تسارع الذكاء الاصطناعي في تحليل المعلومات والاستهداف قد تدور الصراعات مستقبلا حول تحديد الشبكات التي تدير القوة العسكرية وتعطيلها، بدلا من مواجهة الجيوش نفسها.










































