اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
في ملعب كرة قدمٍ جميل، وفي أجواء ماطرة، رأيتهم يلعبون كرة القدم، فحننتُ إلى أيامٍ تذكّرتُ فيها خوض المباريات الكثيرة، حتى إذا قدّموا لي الكرة ركلتها على غير العادة، وشعرتُ بشيء من الثقل، ليس من شيء، غير أنني لم أعهد اللعب من قبل كما كنت سابقاً، مع أنني ما زلتُ أحتفظ بشيء من اللمسات الفنية كما يقول أهل الكرة، لكنني لم أشعر بذلك العطش الذي كنتُ أشعر فيه قبلُ، ولم أجد في نفسي ما يدفعني إلى اللعب، ففقدتُ الشَّغَف، وأصبحتُ أتمثل لأصحابي قول الشاعر: «ولكنَّ عهدي بالنِضَّالِ قَدِيمُ».
وذات مرة صادفتُ زميلاً في الجامعة، فقال لي فجأة، وقد أثار فضولي، وحرّك أشجاني: أين أنتَ؟ لم تعد تكتبُ القصة، ولم تعد تكتب الشعر. فقلتُ له: «ولكنَّ عهدي بالنِضَّالِ قَدِيمُ»، قال: ماذا قلت؟ فقلت: لا شيء، فقال حينها: إنني أشعر بك؛ فكلنا نمرّ بهذه الحالة، لكن علينا أن نظل متوهّجين، حتى وإن خفت نورنا، وتلاشت أضواؤنا، فقلت له: أحسنت. ثم قال لي: ها أنا منذ أن ترقّيتُ إلى آخر رتبة أكاديمية، أجد في نفسي شيئاً من الانطفاء، فلم يعد حماسي خفّاقاً نحو البحث العلمي كما كان من قبل، فصرتُ أقاوم هذه الحالة، بكتابة الخواطر العابرة، أو الأفكار البحثية القصيرة، غير أنني لا أستطيع أن أكتم عنك ما يصيبني من خمول وذبول.
إن فقدان الشغف أمر خطير؛ ذلك أنه ينعكس على جوانب كثيرة في حياتنا، متى تسلل إلى نفوسنا لواذًا، وصرنا لا نجد عنه ملاذًا، فإذا الحماس منقطعٌ، والعمل متقطّعٌ، والحياة تسير بنا في صمت رهيب، والعمل يصبح كأمر غريب، والكسل يصير لنا عنوانا، والخمول يجدنا له ميدانا، فترهقنا أرواحنا، وتبرد عواطفنا، وتُستنزَف طاقاتنا، ويضيع منا التنافس، فننقاد نحو الإحباط، وتتضاعف لدينا درجات الإفراط، والأصعب من هذا كله أن يؤدي بنا الأمر إلى أعراض نفسية، أو علل متضاعفة، أو أمور سيئة لا تحمد عقباها؛ لذلك علينا أن نقاومْ فقدان الشغف بكل ما أوتينا من قوة.
إن الشعور بعدم الارتياح، أو عدم الرضا، أو عدم التقدير، أو عدم الاحتفاء، أو عدم الاقتناع، أو الخوف من التغيرات، أو الصدمات، كلها أمور مساعدة لإصابتنا بفقدان الشغف، غير أن الأمر الذي يجعلنا أكثر تفاؤلاً هو أن هذه المشكلة ليست إلا مرحلة مؤقتة، وأمراً طارئاً، وهي ليست مشكلة معقّدة؛ إذ يمكن تفاديها، أو تجاوزها؛ ولذلك يقول الروائي الفرنسي (ألبير كامو1960م): إنَّ «شغف المرء قد يعود حين يصرّ على الاستمرار رغم غياب اليقين»؛ ومن هنا، فإن شغفنا وحماسنا قد يعود، وقد نضيء بعد انطفاء، كلما أحسسنا بالمشكلة أولاً، ثم قاومناها.
إن عدم الاستغراق في فقدان الشغف، هو خطوة أولى لانتشال ذواتنا من هذه المشكلة، المهم أن يكون الخروج من الأزمة هادئاً، ومنظّماً، ومتدرّجًا، وغير قابل لتوبيخ النفس، أو إلزامها، وإنما يكون الاعتياد على التخطّي ناعماً، والخروج مركّزًا مع شيء من الاعتدال، والاتزان، والإتقان، وضبط الشعور؛ ولذلك يقول عالم النفس الأمريكي (ميهالي تشيكسنتميهالي2021م): «الحماس يعود في حالات (التدفق)، أي حين يتوازن التحدي مع المهارة، وينغمر المرء في العمل».
ومجالات فقدان الشغف كثيرة: علمية، رياضية، عاطفية، اجتماعية، اقتصادية، إبداعية، فنية، وغيرها، وهي مجالات نستطيع فيها التجاوز بفضل الله تعالى، ثم بتحقيق أمرين: التقبّل، ثم التجدد؛ ففقدان الشغف كالشمعة التي تطفئها الرياح أحياناً، لكنها قد تضيء مرة أخرى كلما أشعلناها من جديد.










































