اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٥ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - نحن بارعون في الإعلان عن المشاريع.
مشروع جديد، برنامج جديد، لجنة جديدة، منصة جديدة، مبادرة جديدة، صندوق جديد، واستراتيجية جديدة. ثم يأتي الخبر: بدأ التنفيذ، أو بلغت نسبة الإنجاز 70 أو 90 أو 100 بالمئة.
لكن هناك خبراً نادراً ما نقرأه في الأردن:
«قررت الحكومة إيقاف هذا المشروع لأنه لم يحقق الهدف الذي أُنشئ من أجله».
لماذا؟
هل كل مشروع حكومي بدأ في الأردن نجح؟
بالتأكيد لا.
وهذا ليس عيباً في حد ذاته. لا توجد حكومة في العالم تنجح جميع مشاريعها وبرامجها. التخطيط قد يخطئ، والظروف تتغير، والتكنولوجيا تتجاوز بعض الأفكار، وقد يتبين بعد التنفيذ أن الكلفة أعلى من الفائدة أو أن المواطن ببساطة لا يحتاج الخدمة بالطريقة التي تصورتها المؤسسة.
العيب الحقيقي هو أن نفشل ولا نتوقف.
وأن يستمر مشروع لأن إيقافه سيُفهم على أنه اعتراف بالفشل، فتُصرف عليه مخصصات جديدة، ويُعيّن له موظفون، وتُكتب له تقارير، ويظهر في الموازنة عاماً بعد عام، بينما لا يجرؤ أحد على طرح السؤال البسيط:
هل ما زلنا بحاجة إليه؟
السؤال مهم اليوم تحديداً، لأن الحكومة تدخل مرحلة تنفيذية كبيرة. البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي يمتد للأعوام 2026–2029، والحكومة تقول إن منظومة المتابعة تقوم على مؤشرات أداء وأثر وجداول زمنية وتقارير دورية، فيما يتضمن البرنامج مئات المشاريع.
وهذا تطور مهم.
لكن قياس الإنجاز لا ينبغي أن يعني فقط السؤال: كم أنجزنا من المشروع؟
الأهم أحياناً:
هل كان المشروع يستحق أن ننجزه أصلاً؟
هناك فرق هائل بين «مؤشر الإنجاز» و«مؤشر الأثر».
يمكن لوزارة أن تنفق كامل مخصصات برنامج ما وتنفذه بنسبة 100 بالمئة، ويكون البرنامج نفسه ضعيف الأثر.
ويمكن إنشاء منصة إلكترونية في موعدها تماماً، ثم لا يستخدمها إلا عدد محدود من الناس.
ويمكن إطلاق برنامج تدريبي وتخريج آلاف الأشخاص، ثم نكتشف أن التدريب لم يساعدهم في الحصول على عمل.
ويمكن إنشاء مرفق خدمي ثم يتغير توزيع السكان أو احتياجاتهم.
في هذه الحالات، نسبة الإنجاز قد تكون 100 بالمئة، والجدوى أقل بكثير.
ولهذا أعجبنا في آلية البرنامج التنفيذي الجديد أن الحديث الرسمي لم يعد مقتصراً على مؤشرات الأداء، بل يشمل أيضاً «مؤشرات أثر» تقيس التأثير الفعلي للمشاريع.
لكن الاختبار الحقيقي سيكون في النتيجة.
ماذا سيحدث عندما تقول مؤشرات الأثر إن مشروعاً لم ينجح؟
هل ستملك الوزارة الشجاعة لإيقافه؟
وهل سيملك الوزير الجرأة ليقول: جربنا هذه الفكرة، أنفقنا عليها، لم تحقق النتائج المطلوبة، وسنوقفها ونوجه الأموال إلى خيار أفضل؟
أم سنغير اسم المشروع ونمنحه موازنة جديدة؟
هنا نحتاج إلى تغيير ثقافة كاملة في الإدارة العامة.
إلغاء المشروع الفاشل ليس فشلاً حكومياً.
أحياناً يكون الاستمرار فيه هو الفشل.
في القطاع الخاص، إذا افتتح صاحب مطعم فرعاً جديداً وظل يخسر، فلن يستمر في دفع الإيجار والرواتب والكهرباء سنوات حتى لا يعترف بأن اختيار الموقع كان خاطئاً.
سيغلقه.
إذا أطلقت شركة منتجاً ولم يشتره الناس، ستوقفه أو تعدله.
إذا طورت تطبيقاً ولم يستخدمه العملاء، لن تحتفل بأنها أنجزت التطبيق بنسبة 100 بالمئة.
ستسأل: لماذا لم يستخدمه أحد؟
أما المال العام، فيجب أن نخضعه لمعيار أشد صرامة، لا أقل صرامة، لأنه ليس مال شخص قرر المخاطرة به، بل مال الأردنيين.
ومن هنا نقترح فكرة واضحة:
كل مشروع حكومي كبير يجب أن تكون له منذ يوم إطلاقه شروط للاستمرار وشروط للتوقف.
قبل أن نبدأ المشروع، نكتب:
ماذا نريد منه؟
كم سيكلف؟
كم مواطناً سيخدم؟
ما النتيجة التي يفترض أن يحققها بعد سنة وثلاث سنوات؟
ومتى نقول إنه لم ينجح؟
فإذا لم تتحقق المؤشرات، توجد ثلاثة خيارات: نصلحه، ندمجه مع مشروع آخر، أو نوقفه.
أما الخيار الرابع ـ أن يستمر إلى ما لا نهاية لأنه أصبح جزءاً من الجهاز الحكومي ـ فيجب ألا يكون تلقائياً.
والأهم أن تشمل هذه المراجعة البرامج واللجان والمنصات والمؤسسات والإجراءات، وليس مشاريع البنية التحتية فقط.
كم لجنة شُكلت لسبب انتهى منذ سنوات لكنها ما تزال موجودة؟
كم إجراء حكومي وُضع في زمن الورق وما يزال المواطن مطالباً به في عصر الربط الإلكتروني؟
كم تقريراً تعده جهة حكومية ولا يقرأه أحد؟
كم قاعدة بيانات تتكرر في أكثر من مؤسسة؟
كم منصة إلكترونية يمكن دمجها في منصة واحدة؟
كم برنامج دعم أو تدريب أو تمويل يجب أن نسأل بصدق عن أثره؟
لا نفترض هنا وجود رقم محدد ولا نتهم مشروعاً بعينه بالفشل.
بل ندعو إلى أن يصبح هذا السؤال نفسه جزءاً طبيعياً من الإدارة الحكومية.
والتوقيت مناسب.
هناك الآن وحدة لمتابعة الأداء الحكومي والإنجاز، وتقارير دورية للبرنامج التنفيذي، ونظام متابعة إلكتروني، والحكومة تؤكد أن المشاريع مرتبطة بمخرجات وجداول زمنية ومؤشرات أداء وأثر. كما أن الخطاب الرسمي الأخير يؤكد أن قيمة مشاريع التحديث يجب أن تقاس بنتائجها وأثرها على حياة المواطنين.
فلنأخذ الفكرة خطوة إضافية.
لا نريد فقط لوحة للمشاريع التي تتقدم.
نريد أيضاً أن نعرف المشاريع التي تعثرت، ولماذا تعثرت، وما القرار الذي اتخذ بشأنها.
الأخضر مفهوم.
الأصفر مفهوم.
لكن ماذا نفعل بالأحمر؟
هذه هي المساءلة الحقيقية.
بل ربما نحتاج مرة كل عام إلى تقرير حكومي مختلف، لا يحمل عنوان «الإنجازات»، وإنما:
ماذا أوقفنا هذا العام ولماذا؟
إذا قالت الحكومة مثلاً إنها راجعت عشرات البرامج، وأوقفت خمسة لم تعد مجدية، ودمجت ثلاثة متشابهة، وأعادت تصميم أربعة لأنها لم تحقق أهدافها، ووفرت بذلك ملايين الدنانير، فهذا إنجاز يستحق أن تعلن عنه.
ولا ينبغي أن تخجل منه.
على العكس، ستكون تلك علامة على حكومة تتعلم.
فالدولة الحديثة ليست آلة لا تخطئ.
إنها مؤسسة تكتشف الخطأ بسرعة، وتعترف به، وتصححه بأقل كلفة ممكنة.
أما المؤسسة التي تعتبر كل اعتراف بخطأ هزيمة، فستكون مضطرة للدفاع عن الخطأ إلى الأبد.
وهناك جانب سياسي وإداري مهم أيضاً.
المشروع الحكومي قد يرتبط باسم وزير أو حكومة، لكن المال الذي يُنفق عليه ليس ملكاً للوزير ولا للحكومة.
الحكومات تتغير، بينما الدولة تستمر.
لذلك يجب ألا يصبح إيقاف مشروع غير ناجح حكماً سياسياً على الشخص الذي أطلقه، ولا سبباً لتردد المسؤول الذي ورثه.
قد تكون الفكرة صحيحة في وقتها ثم تغيرت الظروف.
وقد تكون التجربة نفسها قد علمتنا ما لم نكن نعرفه.
المهم ألا تتحول هيبة القرار السابق إلى عبء على القرار الحالي.
نريد في الأردن ثقافة حكومية تستطيع أن تقول ثلاث جمل بالثقة نفسها:
بدأنا.
نجحنا.
وجربنا ولم ينجح، فتوقفنا.
الثالثة ليست أقل احتراماً من الثانية.
وربما تكون أحياناً أكثر مسؤولية.
فالمال العام لا يحتاج مسؤولاً يحمي سمعة المشروع.
يحتاج مسؤولاً يحمي جدواه.
وفي النهاية، لا ينبغي أن نسأل الحكومة فقط: كم مشروعاً أطلقت هذا العام؟
ولا كم مشروعاً أنجزت؟
هناك سؤال ثالث يجب أن يدخل قاموس الإدارة العامة:
كم مشروعاً اكتشفتم أنه لا يستحق المزيد من أموال الأردنيين فأوقفتموه؟
عندما يصبح لدينا جواب معلن عن هذا السؤال، سنعرف أن ثقافة قياس الأداء انتقلت فعلاً من تعداد الإنجازات إلى محاسبة النتائج.












































