اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ أيار ٢٠٢٦
عاصم عبد الفتاح
أنتَ كالدلوِ لا عَدِمناكَ دلواً
من كبارِ الدِّلا كثيرِ الذنوبِ.
هكذا امتدح الشاعر علي بن الجهم الخليفة العباسي المتوكل بأوصافٍ فظة، تتوشحها غلظة البادية، وتصحر العاطفة، وقلة أدوات التشبيه والتصوير، جانب الصواب في أسلوبه، لكنه حافظ على سلامة نيته، وذلك ما دفع المتوكل إلى استنطاق الموقف وحمله محملًا حسنًا؛ إذ تفهّم أن البيئة التي أتى منها الشاعر هي من سلبته حصافة المنطق ولباقة الأسلوب في إسباغ المدح. كما أدرك أن قريحة ابن الجهم متوقدة وقوية، غير أنه في حاجةٍ ماسة إلى بيئةٍ يستلهم منها أروع الصور والتشبيهات، والأدوات التي تمكّنه من ابتكار الشعر على أبهى تصاويره وأعذب كلماته.
فأمر له ببيتٍ في القصر، ليجد نفسه محاطاً بنخبة الأدباء والوزراء وعلية القوم، وبعد ما مكث فترة من الزمن، استدعاه المتوكل، ليقيس مدى تأثره بالمحيط، فأنشد ابن الجهم قائلًا:
عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ
جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري.
وراح ابن الجهم يُسهب في سرده للقصيدة الغزلية، حتى قاطعه المتوكل قائلًا: «أوقفوه لئلا يذوب من الغزل!».
هذه القصة في تراثنا الأدبي تسلط الضوء على عاملٍ مهم، وهو أثر المحيط والبيئة على الإنسان، فهناك من تدفعهم بيئاتهم إلى النمو والنجاح، ولو بذلوا جهد المقل الضعيف؛ وآخرون تكبح بيئاتهم جماحهم عن التقدم خطوةً واحدة، ولو بذلوا ما بذلوا من الجهود المضنية. ولا يقتصر الأمر على النمو والنجاح فحسب، بل يطال أمورًا عدة، كالسلوكيات وعادات الشعوب وطبائعها وأفكار أفرادها.
حيث يرى «ابن خلدون» أن أخلاقيات الإنسان وسلوكياته غالبًا ما يكتسبها من صميم بيئته؛ فأهل الجبال يكتسبون خشونة الطباع نظرًا لوعورة بيئتهم، وأهل السهول أرحب طبعًا وأسهل عريكة. وهذا ما يخص التأثيرات المادية الملموسة، كالتضاريس والمناخ، أو ما عُبر عنه في علم الاجتماع بـ «الحتمية البيئية» «Environmental Determinism»، أيضاً على الصعيد المعنوي والنفسي، يرى «ابن خلدون» أن الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها، مسلطًا الضوء على انعكاس البيئة النفسية، متمثلة في الصراعات والنزاعات والقهر والظلم بين أبناء المجتمع الواحد، وما تؤدي إليه من انحدارٍ في الأخلاقيات والسلوكيات، ويقودنا بديهياً إلى فكرة أن الشعوب التي تنعم بنظامٍ عادل ومجتمعٍ صحي، نسبيًا ترتقي أخلاقها وسلوكياتها، تماماً كما نلحظ ذلك في مجتمعنا السعودي.
لا يقتصر تأثير البيئة على السلوكيات أو الأخلاقيات فحسب، بل يمتد ليطال إنتاج الأفكار، ويغوص في أعماق تكوين المفاهيم الفلسفية ذاتها.
كما نجد الفيلسوف «توماس هوبز»، قد ارتكن إلى تصورٍ فوضوي عن الإنسان، واعتبره كائنًا لا أخلاقيًا؛ وهي فلسفة لم تتشكل في فراغ، بل تمخضت عن الظروف البيئية القاسية التي عايشها خلال الحرب الأهلية الإنجليزية في فترة «1642 و 1651»، حين شهد مساوئ الحرب وبؤس نتائجها، وكيف تحوِّل الإنسان من كائنٍ مدني متحضر إلى مخلوقٍ فتاكٍ متوحش، فانعكس ذلك على نظرته للبشرية جمعاء.
وعلى الضفة الأخرى، نجد أفلاطون، سليل الأرستقراطيين، يجنح في فلسفته نحو المثاليات، ويؤسس لفكرة المدينة الفاضلة، ساعيًا إلى تصور الواقع في أبهى صوره، ولعل هذا المسلك لم يكن بمعزلٍ عن بيئته التي نشأ فيها؛ بيئةٍ أرستقراطيةٍ رفيعة، تأثر بها ولا شك، ثم عاد فأثّر فيها.
في الجريمة والعقاب، قال «فيودور دوستويفسكي»: كل شيء مرهون بالبيئة التي يعيش فيها الإنسان. كل شيء تحدده البيئة، والإنسان في ذاته لا شأن له.










































