اخبار تونس
موقع كل يوم -أنباء تونس
نشر بتاريخ: ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
الوطن الذي صار تعريفه عندي: بحر وسهل وجبل…وقبر أمّي…
تحت عنوان: 'كتابة على كفن صالحة'، رثى الناشط السياسي محسن مرزوق المقيم قصرا خارج حدود الوطن اليوم الأحد الذي يتزامن مع يوم تشييع جنازة والدته إلى الرفيق الأعلى، ابياتا حزينةمن الشعر وهو الشاعر و المفكر… والسياسي:
'كتابة على كفن الصالحة
ما وطنك؟
⁃ بحر وسهل وجبل…وقبر أمّي الصالحة!
واستفقت
**
لا بأس. لا شيء.
سوى 'هنا' …زنزانتي حيث أقبع.
و'هناك' كما تبدو هي لي …من كوّتي في الظلام. خطا أبيض مُسجّى بين الشموع والدموع.
بفم مفتوح مجمّد على صرخة عالقة…أكبر من أن تخرج فتحرّرني…أقلّب ما تبقى من فجر اليوم…وفي أذني لا شيء غير طنين الطائرات التي لن أستطيع ركوبها…لأكون هناك…أو حتى تحت هناك
أسمع كل شيء…أرى كل شيء رغم كلمات الماء التي تحجب عني نظري الآن…وتسيل حتى أذناي فتسدّهما…
…….
الحقيقة أنني لا أسمع شيئا
ولا أرى شيئا…
غير ألمي وقد صار صوتا وشكلاً ومسافة وسرعة…واقعا وافتراضا….
هل نمتُ قليلا؟ أتذكر أنني كنت أزحف على أربع وهي على ظهري بلا كفن. وأنا أسأل: من أين القبر؟ فلا يجيبني أحد…واستفقت وأنا مازلت أزحف…غير أنها لم تعد بعْدُ على ظهري…
لقد غادرت موتها لتعود إلى الحياة في كويرات دمي..إنّي أراها تنثر الفلفل الأسود على الكسكسي وهي تغنّي لصليحة …المفضلة عندها…في الليل قبل النوم كنت بحمّى…فعوذتني بقبضة الملح…
اذهبي في دمي يا الصالحة كما ذهب فيّ لبن ثديك…أستودعك رحمة الله وحراسة أحد أوليائك 'سيدي منصور' الذي سيرعاك جنبه قرب أبويك… 'عجمية ومحمد'…أتسمعين همهمات الصالحي المثلوثي؟
إذن لقد اقتربت….
كنا نريد أن نجمعك بحبيبك الذي تركك أرملة في ريعان الشباب…ولكنهم سيحوّلون مقبرته قريبا، فما الداعي ليُفرَض عليك شقاء الترحال من جديد؟
…لا…لا…لا تنزعجي…سرحان الذي لم يعرف أباه، فلم يعرف أبا وأمّا غيرك، قد أمّن له قبرا إلى جانبك…
في صدرك نصف قرن من الحكايات لعبد الكريم وكل الأزل لتقصها عليه…
أمّا نحن، ذريتك وأحفادك، فسنبقى نرفع الخيمة…وقد ورثت راقية سدانتها…ولن ندعها تسقط أبدا…
فأنت أمّ ووطن…
أنا هنا في هذا السجن المفروض وأنت مسجّاة هناك…بعيدا…بعيدا…بعيدا…
…لا أستطيع أن أصدّق ولا أريد أن أصدّق…
لم يخترع البشر كلمة تستطيع أن تواسيني…ولا دواء سيغلق هذا الجرح أبدا…
'إنّه ثأر من هنا فصاعدا وحتى نازلا'…هكذا سيقول غضبي حتى تضعي يدك السمراء على فمي…ليصمت غضبي…
نعم فهمت. أعتذر. لن تكوني موضوع ثأر أبدا…
بل كما كنت دائما موضوع حبّ…فقد وهبت حياتك للحبّ…ولم نعرف الوطن إلاّ من خلالك…أنت وتونس شيء واحد…لن يداوي آلامنا سوى الحبّ…شكلا ومعنى للوطن…

























