اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٥ أذار ٢٠٢٦
د. مشاري النعيم
عندما أقول إن الرياض هي جوهرة المدن الخليجية ذلك لأنها مدينة لم تركن إلى النسخ واللصق، بل كانت ولادة العمارة فيها عبر تجارب عميقة وُلدت من رحم العمق الثقافي للمملكة، هذا ما جعل عمارة الرياض تحظى بالعديد من الجوائز المعمارية منها خمس من جائزة الآغا خان للعمارة..
حكاية العمارة والعمران في مدينة تتشكل باستمرار هو نوع من المغامرة، إذ أن القول إن هناك ظواهر مكتملة في هذه المدينة، يتحداه الواقع الذي يشير إلى أمرين اساسيين؛ أولهما أن كل ظاهرة عمرانية مكتملة تعني أن العمران نفسه بلغ مرحلة الكمال، وهذا أمر غير وارد في حالة مدينة الرياض، فهناك دائما خطوة جديدة ونظرة ثاقبة نحو المستقبل. إذ أن عمران المدينة متلاحق ومتداخل ومتغير باستمرار، وحتى الاتجاهات والأفكار العمرانية ظهرت وتطورت بشكل متزامن، وهو الأمر الذي ولّد هويات عمرانية متعددة في مراحل تطور عمران المدينة المختلفة. يجب أن نشير أن مفهوم 'الكمال' في العمارة، هو مفهوم افتراضي لم يتحقق على أرض الواقع في يوم، لأن الأمر مرتبط بطبيعة الإنسان الذي يبحث عن التغيير، فعدم الكمال هو 'جوهر فطري' في البشر، وبالتالي لا نستطيع أن نقول إن الاستقرار النسبي لبعض الطرز المعمارية هو حالة من 'الكمال المعماري'، بل هو مجرد استقرار مؤقت، حتى لو طال. هذا يجعلنا ننظر لعمارة الرياض في حالة تكوّن مستمر، فما يجعل الرياض مختلفة ليس بعدد الأبراج فيها ولا بمساحتها الشاسعة، بل بنوعية هذه العمارة، فالعدد والارتفاع ليسا هما الفيصل بل العمق الثقافي والتجارب الجديدة التي قدمتها عمارة هذه المدينة التي جعلت منها أهم تجربة عمرانية ومعمارية على مستوى العالم العربي في الخمسة عقود الأخيرة.
المسألة الثانية مرتبطة بجوهر العمران الذي يقوم على مفهوم 'التطور'، فلا يوجد هناك عمران يرضى بالسكون، بل هو في حالة تطور حتى وإن كان تطورا بطيئا، العمران دائما في طور الاكتمال، حتى العمارة التاريخية كانت تبحث عن الاكتمال فكانت تتطور نتيجة لهذا البحث. إذا الجوهر الذي يقوم عليه العمران هو 'التطور' وليس الاكتمال ومن ثم السكون، وهذا البحث عن الاكتمال هو الذي يجعل العمارة تنتقل من خطاب فكري إلى آخر، أي أن العمارة لا تنتظر أن يموت الخطاب الفكري السائد حتى تنتقل إلى خطاب جديد، بل إن التوجه الجديد غالبا ما يولد من ظاهرة التطور الدائم للعمران لذلك تولد الفكرة الجديدة من بين ثنايا الفكرة السائدة ثم تتفوق عليها وتصنع خطابا جديدا. ربما تكون الرياض إحدى المدن النادرة التي تمثل سلسلة من الخطابات المعمارية على امتداد تاريخها الحديث، فهي لم تكتفِ بحداثة الظاهر، بل بحداثة التجربة ومزاوجة الثقافة المحلية بثقافة العام وتوجهاته المعاصرة.
عبر هذا التصور، يمكن أن نقرأ حكاية العمران في مدينة الرياض على أنها بداية لحكاية أخرى، في طور التّشكُل، وربما تكون الحكاية الجديدة قد تشكلت أركانها، فعندما تسرد المدينة حكاية 'المحلية مفتوحة النهاية' كخاتمة لقصة العمارة في مطلع العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، ويُرى أن هذه الحكاية لم تنشأ من فراغ، بل كان لها امتدادات عميقة لا يمكن أن نفصلها عنها. ومع ذلك فإن حكاية المحلية مفتوحة النهاية لم تكتمل بعد، فهي في طور التشكُّل المستمر، وربما السنوات القادمة تجعل منها حكاية مهيمنة تعيد تعريف عمران الرياض وأسلوب العمل المعماري في السعودية بشكل عام. وعندما نقول إن الرياض تهتم بالعمق الثقافي في عمارتها هذا لا يعني أنها انكفأت على نفسها في يوم، فالعمارة المحلية ذات النهاية المفتوحة أشارت بشكل خاص إلى الكيفية التي ستتطور بها حكاية المحلية من خلال بحثها عن الذات التي تسعى إلى أن تكون هذه المدينة متفردة بوجودها الثقافي المتجذر الذي يصعب أن ينافسها أحد عليه. لم تكن عمارة الرياض سطحية في يوم مثل كثير من المدن التي حولنا، ولم تكن عمارتها عبارة عن نسخ وظيفية استعراضية، بل كانت وليدة المعترك الثقافي الذي خاضته المدينة.
حكاية العمارة والعمران في الرياض لا تتوقف عند هذا الربط بين السرد القصصي لتطور العمارة عبر قرن هو عمر هذه المدينة الحديث وبين السرد النقدي لتطور الأفكار ومسببات وجودها والكيفية التي أثرت بها هذه الأفكار على القرارات العمرانية والمآلات التي آلت إليها العمارة نتيجة هذه الأفكار والقرارات. لكن الحكاية لم تكتف بهذا الربط بين تاريخ العمارة وتاريخ الأفكار التي أنتجت هذه العمارة، بل إنها وضعت فرضية مستقبلية لما يمكن أن تكون عليه العمارة في الرياض. عندما أقول إن الرياض هي جوهرة المدن الخليجية ذلك لأنها مدينة لم تركن إلى النسخ واللصق، بل كانت ولادة العمارة فيها عبر تجارب عميقة وُلدت من رحم العمق الثقافي للمملكة، هذا ما جعل عمارة الرياض تحظى بالعديد من الجوائز المعمارية منها خمس من جائزة الآغا خان للعمارة.
ربما يكون من الضروري توضيح الوجه الآخر لعمارة الرياض، خصوصا في هذه الظروف الصعبة التي نعيشها هذه الأيام، فهذا الوجه يبين كيفية اتخاذ القرار الذي كان جزءا من العقل المفكر الذي بنيت عليه المدن السعودية. لم نكن نفكر أن نكون في يوم دعاة لخلق مدن وظيفية ليس لها عمق ثقافي وكأنها مدن ملاهٍ أو أنها تنتمي إلى ما يسمى بـ'عمارة وورلد ديزني'، بل كان الهم هو خلق تجربة معمارية عميقة تضاهي التجارب العالمية على مستوى التفكير وابتكار الأشكال. الرياض التي قادت ولا تزال تقود العمارة في المنطقة برمتها تركت أثرا عميقا على مناهج التفكير المعماري في العقود الأخيرة، حتى لو لم يعترف بذلك بعض المحسوبين على الفكر المعماري.










































