اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
مشكلتنا اليوم ليست في غياب الفكر أو الفلسفة، بل في غياب 'الفراغ للتأمل'. إذ إننا لا نترك لأنفسنا دقيقة واحدة بلا شاشة ولا إشعار ولا ضجيج.. كل شيء فوري، وسريع، وسطحي.. فمتى سيأتي الوجد؟ الوجد يحتاج إلى بطء، إلى مشي في طريق خالٍ، إلى تأمل في سماء، إلى قراءة نص عميق، إلى جلوس مع النفس بلا هاتف.. بدون هذه المساحات، سيظل الإنسان ناجحًا في الخارج، وفارغًا في الداخل، غنيًا بالمقتنيات، فقيرًا بالمعنى..
منذ أن وعى الإنسان ذاته، وهو بين المحسوس والملموس 'نظريتي البعد الخامس'.. هنا يظهر 'الوجد الروحي' كتجربة إنسانية تتجاوز المنطق الآلي للحياة. ليس معتقدا بعينه، وليس مذهباً، بل هو حالة اعترف بها الفلاسفة والمتصوفة والأدباء على اختلاف مشاربهم.
فهو تلك الرجفة الخفيفة التي تصيب الروح حين تلامس معنى أعمق. ولذا نذهب إلى تعريف الوجد، من الانفعال إلى المعنى في اللغة العربية 'الوجد' هو الشدة في الحب والشوق.. وفي الفلسفة يمكن تعريفه بأنه: 'لحظة انكشاف يدرك فيها الإنسان أن وجوده مرتبط بما هو أكبر منه'.
هو ليس عاطفة عابرة فقط، فالعاطفة تزول، أما الوجد فيترك أثراً معرفياً، بعده لا يعود العالم كما كان، حيث يرى الإنسان الأشياء بعيون جديدة، ويسمع الصمت كأنه خطاب.
ابن سينا تحدث عن 'العقل الفعال' الذي يفيض على الإنسان معاني، والغزالي تحدث عن 'نور يقذفه الله في القلب'، حتى الفلاسفة الوجوديون المعاصرون تحدثوا عن 'لحظة الأصالة' التي يخرج فيها الإنسان من الاغتراب إلى مواجهة حقيقته.
إذن الوجد هو نقطة التقاء بين العقل والشعور، بين الفكر والحدس.. هو لحظة يفهم فيها الإنسان نفسه لا بالتحليل، بل بالتجربة المباشرة، والعلاقة وثيقة بمكامن الإلهام، فيما أسميناه 'السوبر وعي' أو العقل الكوني.. وهي ما تحسم الصراع بين الإلهام والجنون، والوعي بالذات لحظة الإبداع.. فيكون المبدع في منطقة ما فوق الوعي، وبالتالي يحتفظ المبدع بوعيه لكنه بعيد عن الوعي البشري المقيد بأغلال الوعي.. فهو ذلك الانفلات من تلك الأغلال إلا أنه بالوعي الأعلى خلال لحظات الاستبصار وهي تفتق الفكر بجميع مستوياته.. وللوجد شروط:
أولاً: الصمت.. لا يمكن أن تجده وأنت في ضجيج دائم، لابد من لحظة توقف عن الاستهلاك وعن الكلام، حتى تسمع صوتك الداخلي، فالصمت هو التربة التي ينبت فيها المعنى.
ثانياً: السؤال.. الوجد يبدأ بسؤال يكسر قشرة الحضور ويفتح الباب بين الحضور والغياب.
ثالثاً: التجاوز.. أن تتجاوز 'الأنا' الضيقة التي تلهث وراء المصلحة والمنفعة، إلى 'الأنا' الأوسع التي تبحث عن قيمة.. وهذا التجاوز لا يعني إنكار الجسد، بل وضعه في مكانه الصحيح كأداة لا كغاية.
رابعًا: الوجد بين الخطر والضرورة، فالوجد سلاح ذو حدين.. إذا تُرك بلا بوصلة، قد ينحرف إلى أوهام أو إلى هروب من الواقع.. والتاريخ مليء بنماذج غرقت في الذات ونسيت العالم، فصارت عاجزة عن الفعل.. ولكن إذا غاب الوجد تماماً، تحول الإنسان إلى آلة؛ ينتج ويستهلك ويموت دون أن يسأل.. وهذا هو اغتراب العصر الحديث الذي حذّر منه ماركس وكامو: 'إنسان يعمل بلا معنى، ويعيش بلا أسئلة'.
خامساً: الضرورة هي في 'الوجد المنضبط': وجد يعترف بالعقل، ويحترم الواقع، ويبحث عن معنى دون أن يتنكر للحقائق، وجدٌ يجعلك تحلق، ولكن بقدمين على الأرض.
سادساً: أثر الوجد على الفعل الإنساني، الإنسان الذي ذاق الوجد لا يمكن أن يكون عنيفاً، لأن من شعر بعظمة ما وراءه، صَغُر في عينه الاستبداد والتسلط، ولا يمكن أن يكون يائساً، لأن من لمس المعنى أصبح لديه ما يدافع عنه حتى في أحلك الظروف. فالوجد هو الذي يحول العمل من وظيفة إلى رسالة، والعلاقات من مصلحة إلى مودة، والمعرفة من معلومات متراكمة إلى حكمة ناضجة، وهو الجسر بين 'أنا أفكر إذن أنا موجود' لديكارت، وبين 'أنا أحب وأتألم إذن أنا إنسان'.. يذكرنا أننا لسنا عقولاً مفكرة فقط، بل قلوباً تشعر وأرواحاً تتوق.
سابعاً: الوجد في زمن السرعة والاستهلاك، مشكلتنا اليوم ليست في غياب الفكر أو الفلسفة، بل في غياب 'الفراغ للتأمل'. إذ إننا لا نترك لأنفسنا دقيقة واحدة بلا شاشة ولا إشعار ولا ضجيج.. كل شيء فوري، وسريع، وسطحي. فمتى سيأتي الوجد؟ الوجد يحتاج إلى بطء، إلى مشي في طريق خالٍ، إلى تأمل في سماء، إلى قراءة نص عميق، إلى جلوس مع النفس بلا هاتف.. بدون هذه المساحات، سيظل الإنسان ناجحاً في الخارج، وفارغاً في الداخل، غنياً بالمقتنيات، فقيراً بالمعنى.
ثامناً: هل الوجد ترف أم ضرورة؟ قد يقول قائل: هذا كلام أدباء. أما نحن فنحتاج إلى إنتاج واقتصاد.. والرد أن المجتمعات التي خلا أفرادها من الوجد، نجحت مادياً ثم انهارت أخلاقياً، لأن الإنسان بلا معنى يصبح مستعداً لبيع أي شيء، فالوجد هو الذي يصنع الضمير، ويصنع الفن، ويصنع الصبر.. هو الوقود الخفي وراء كل إنجاز عظيم لم يكن من أجل المال فقط.. وفي النهاية فالوجد الروحي ليس ترفاً فكرياً؛ هو ضرورة، وهو التذكير بأن الإنسان أكبر من راتبه ومنصبه ومن متابعيه.. هو اللحظة التي يقول فيها الإنسان لنفسه: 'أنا لست صدفة'.
ولعل أعظم ما في الوجد أنه يعيد للإنسان إنسانيته؛ في عالم يريد أن يحوّله إلى رقم، يذكره الوجد أنه روح، وأن له عمقاً لا تقيسه الإحصاءات.. والسؤال الذي يتركه الوجد لنا ليس: 'كيف أصل إليه؟' بل: 'هل أجرؤ أن أتوقف لحظة لأبحث عنه؟'.










































