اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٠ أذار ٢٠٢٦
د.نجوى الكحلوت
في الذاكرة الإنسانية لحظات لا يكتفي الزمن بمرورها، بل يحرص على أن يعيدها كل عام، كأنما يمنح الإنسان فرصة متجددة لاستعادة الفرح، ومن هنا يبدو لفظ العيد في العربية كلمة مشبعة بالدلالة؛ إذ يرتبط أصلها اللغوي بالفعل عاد، أي رجع وتكرر. ولهذا فسّر اللغويون العيد بأنه ما يعود من الفرح أو الاجتماع في زمن معلوم.
غير أن هذا الاشتقاق البسيط يفتح بابًا أوسع لفهم العلاقة بين اللغة والنفس والمجتمع، فالعيد في حقيقته ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل حالة شعورية تعود إلى القلب كما يعود اللفظ إلى معناه، وكأن اللغة العربية التقطت حاجة الإنسان العميقة إلى مواسم يتجدد فيها الشعور، وتعود فيها الروابط التي قد تضعفها مشاغل الأيام.
ولعل أجمل ما في دلالة العود أنها لا تشير إلى الزمن وحده، بل إلى الذاكرة أيضًا، فالإنسان حين يستقبل العيد لا يعيش لحظته الحاضرة فقط، وإنما تستيقظ في داخله أعياد كثيرة: ضحكات الطفولة، وملابس الصباح الأولى، وأصوات التهاني التي كانت تملأ البيوت، وهكذا يصبح العيد جسرًا خفيًا بين الأزمنة؛ يعود فيه الماضي ليصافح الحاضر، وتلتقي الذكريات القديمة ببهجة اللحظة الراهنة.
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى العيد بوصفه ظاهرة لغوية نفسية في آنٍ واحد، فاللغة حين اختارت لفظ العيد لم تصف تكرار المناسبة فحسب، بل عبّرت عن تكرار الشعور أيضًا، فالفرح في الأعياد لا يولد فجأة، بل يعود ويتجدد كما تعود الكلمة إلى أصلها الاشتقاقي.
أما اجتماعيًا، فتتجلى دلالة العودة في عودة العلاقات إلى دفئها الأول، فالزيارات، وصلة الأرحام، وتبادل التهاني، كلها ممارسات تعيد وصل ما قد يضعفه انشغال الحياة اليومية، وكأن المجتمع يملك في العيد فرصة سنوية لإعادة ترتيب خيوط علاقاته الإنسانية، بحيث يعود الأقارب إلى مجال اللقاء، وتعود القلوب إلى لغة الود.
ولذلك ارتبط العيد في الثقافة الإسلامية بإظهار الفرح وإدخال السرور على الآخرين، لأن البهجة حين تُشارك تصبح أكثر رسوخًا في النفس، فالإنسان قد يفرح وحده، لكنه في العيد يتعلم أن الفرح الحقيقي يتسع للآخرين.
ومن اللافت أن العربية لم تسمِّ هذه المناسبة باسم الفرح نفسه، وإنما باسم العودة، وكأنها تشير إلى أن الفرح الأعمق هو ذلك الذي يجد الإنسان طريقه إليه مرة بعد مرة: يعود إليه مع أسرته، ومع ذكرياته، ومع مجتمعه.
وهكذا يبدو العيد أكثر من مناسبة عابرة؛ إنه لحظة يلتقي فيها الزمن بالذاكرة، واللغة بالشعور، والإنسان بالإنسان. وفي كل مرة يعود العيد، يتأكد معنى الكلمة من جديد: أن الفرح الحقيقي هو ما يعرف طريق العودة إلى القلب.










































