اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. هاني بن محمد أبوراس
تُقرأ كل جهة حكومية في الموازنة العامة بما أنفقته وما أنجزته، وعلى هذا الأساس تُقدَّر احتياجاتها في العام التالي. ويستقيم هذا المنطق ما دامت ثمرة الجهد تبقى عند من دفع كُلفته. غير أن مكاتب تنسيق المشاريع في الأمانات، ومركز مشاريع البنية التحتية بمنطقة الرياض الذي بدأ واحداً منها، ثم استقل عنها بهيكله وبقي شريكها في الوظيفة، تقف في موضع مختلف، فهي تتوسط أطرافاً تتقاسم المواقع نفسها، كلٌّ لشبكته أو مرفقه، من مياه وكهرباء واتصالات وطرق وغيرها، وتنظّم مواعيد أعمالها في جدول مشترك حتى لا يُرصف شارع ثم يُحفر بعد أشهر لأشغال كان توقيتها معروفاً مسبقاً.
هذه الجهات لا تلغي الحفر، فلكل شبكة أشغالها، كما تمد الكهرباء كابلاتها والمياه أنابيبها، لكن الجدول المشترك يعيد الشارع إلى حاله مرة واحدة بعد أن يفرغ منه الجميع. وما يُوفَّر بذلك يستقر عند غير الجهة المنسِّقة، فالرصف الذي لم يتكرر كُلفةٌ تجنّبها من كان سيتحملها، والأيام التي لم تتعطل فيها الحركة كسبٌ يتوزع على الناس وأوقاتهم. ولا يظهر من ذلك كله في حسابها، مركزاً كانت أو مكتباً، إلا ما أنفقته لتحقيقه.
ليس في غياب ما حققه عن حسابه تقصير من أحد. فالموازنة تُثبت الإنجاز لمن دفع ثمنه، لأن من يصرف المال هو من يُسأل عنه، في حين تقع نتائج التنسيق عند غير من قام به. وعندما يقتصر تقدير احتياجات هذا الجهاز على ما يظهر في سجل إنفاقه، ينافس طلب تطوير وسائله سائر البنود على الموارد المتاحة، دون أن يُنظر إلى ما وفّره على الآخرين، فيُوزن بكُلفته كاملة، ويسقط من عائده ما وقع خارج حدوده.
من هنا تنشأ مفارقة. فالمتوقع أن يقوّي الإنجازُ موقفَ صاحبه عند توزيع الموارد، إلا أن المركز أو المكتب كلما أتقن أداءه زاد الوفر عند غيره، ولم يتغير شيء في الميزان الذي يُحسم به تمويله، ما دام التقدير محصوراً فيما يظهر في سجل إنفاقه. ومتى احتاج إلى ما يوسّع نطاق عمله، من أنظمة وبيانات وكفاءات، عُرض طلبه كأي بند جديد. فأحسن ما في جهاز التنسيق، وهو أن أثره يتجاوز حدوده، هو نفسه ما يُغيّبه عن الحساب الذي يُرسم به مداه.
حل هذه المفارقة لا يحمّل الخزينة عبئاً جديداً، بل يخفف عنها، إذا أُقرّت قاعدة تقضي بأنه حين يُغني التنسيق عن إعادة رصف شارع، وتصبح المبالغ المخصصة لذلك متاحة فعلياً، يُوجَّه جزء منها إلى تطوير وسائل الجهاز المنسِّق، ويبقى معظمها لدى الجهة التي رصدتها، فإن كانت شركة خدمات، موّل المقتطع من وفرها ما كان سيُطلب من الموازنة العامة. أما الكُلفة التي جرى تجنبها ولم يُعتمد لها شيء أصلاً، فهي نفع ثابت للاقتصاد، لكنها ليست مالاً في اليد يُنقل من موضع إلى آخر. وبذلك يصير لقيمة تحققت صاحب يُقيَّد له نصيب منها.
لا يصح توجيه جزء من الوفر إلى الجهاز المنسِّق إذا انفرد بحسابه، لأن له مصلحة في أن يكبر الرقم. فهو في أصله تقدير لما كان سيُصرف لو مضت كل جهة في شأنها وحدها، والمسافة بين الاجتهاد والتضخيم قصيرة. ولهذا يعرض ما توصّل إليه بشواهده، ثم يراجعه طرف محايد، وتُعتمد طريقة معلنة تخصم ما استلزمه التنسيق نفسه وتفصل أثره عن انخفاض الأسعار أو تغير حجم المشاريع لأسباب أخرى، ولا يُعدّ مجرد تقليص الخدمة تحسناً في الكفاءة. ولا يُعتبر التأجيل وفراً، فما يُرحَّل من أشغال نفقة باقية في عام لاحق، وكثيراً ما يزيدها التأخير. والمعتدّ به ما نشأ عن عمل لم تبقَ إليه حاجة، أو عن تنفيذ المطلوب مرة بدل مرتين، ومن دون هذا الضابط يصير الإرجاء مربحاً والإنجاز مُكلِفاً.
يمتد حساب الوفر إلى ما بعد العام المالي. فوسيلة التنسيق التي تُبنى اليوم تواصل عطاءها لسنوات ما دامت تُحدَّث بياناتها وتُجدَّد أنظمتها، والإنفاق عليها شراء قدرة لا تغطية مصروف عابر، ومع ذلك يُقاس تمويلها بما ستضيفه لا بما أضافته، فنجاح ما أُقيم يثبت قيمته ولا يجعل الزيادة عليه استحقاقاً دائماً. وفي المقابل، يظهر ثمن تأخير إنشائها حيث يتكرر رصف كانت الأداة ستغني عنه، والمال الذي يُدفن في الأرض لا يعود.
يبقى أن ما يكشفه تنسيق البنية التحتية أوسع من قطاعه، فكل عمل حكومي يتحمل كُلفته طرف وتتجنب بسببه جهات أخرى نفقات كانت ستقع، يقف في الموضع نفسه، كالسلامة المرورية التي تخفف أعباء المستشفيات، والبيانات المشتركة التي تُعدّ مرة واحدة فتغني الجميع عن تكرارها. فالموازنة ترى ما يُصرف وما يُبنى، ويغيب عنها ما لم يحدث. وحين يظل الوفر بلا صاحب، لا يعود منه على من صنعه ما يطوّر به أدواته. فإذا نال نصيباً منه، لم يقتصر النفع على جهة بعينها، وإنما كسب المال العام مرتين، بما حُفظ اليوم، وبمن يصونه غداً.










































