اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
انتهاك حقوقي عظيم يرقد بين طيات قانون الأحوال الجعفري الجديد في العراق، الذي يسلب المرأة معظم حقوقها ويتركها عرضة لمهاب الرياح الذكورية، من أب إلى زوج يتحكمون في كل حياتها وقراراتها ومعيشتها منذ الطفولة وحتى الممات. وهذا التشدد الجعفري في قوانين الأحوال الشخصية ليس بظاهرة جديدة، فقد سبق أن رأينا آثاره ومعاناة النساء على إثره في إيران بالدرجة الأولى، وكذلك في لبنان الذي ضجت النساء في 2020 اعتصاماً بسبب آثاره الموجعة، كما أن الكويت كان لها نصيب من هذه الإشكالية الحقوقية الخطيرة حين تم إقرار قانون الأحوال الجعفري الجديد فيها في 2019 بعدد 520 مادة، القانون الأعلى عدداً والأكثر تعقيداً في مواده بين كل القوانين الكويتية.
ومن بين ما صدر في قانون الأحوال الجعفري الكويتي مادة 229 التي تقول إن المفقود الذي تعلم زوجته بحياته حكمها هو الصبر والانتظار «وليس لها المطالبة بالطلاق قبل ذلك وإن طالت المدة، بل وإن لم يكن له مال ينفق منه عليها ولم ينفق عليها وليه من مال نفسه». وتنص المادة 170 من القانون ذاته أيضاً على أنه «لا يعتبر في صحة الطلاق إطلاع الزوجة عليه ولا إعلامها به ولا رضاها». وقد تم عمل تعديلات على هذا القانون في الكويت سنة 2025، أهمها رفع سن الزواج القانوني ليصبح 18 عاماً، إلا أنه وبعد محاولة بحث وتأكد، لم أجد ما يشير إلى أي تغييرات في المادتين المذكورتين آنفاً.
قانون الأحوال الجعفري العراقي الجديد يشكل تراجعاً حقوقياً وإنسانياً خطيراً للمرأة العراقية. وقد أقر البرلمان العراقي هذه المدونة في أغسطس 2025 وبدأ العمل بها في أكتوبر 2025، حيث تحققت أبرز استشكاليتها في عدم قدرة المرأة على تزويج نفسها وانتقال الولاية عليها عند الزواج من الأب إلى الزوج، ونقل حضانة الطفل للأب في عمر السبع سنوات، وحرمان الزوجة من إرث زوجها، وحق الزوج في منع زوجته من الخروج من المنزل، وإمكانية تغيير عقود الزواج السابقة لتتحول تحت طائلة هذا القانون الحالي بطلب من أحد الطرفين (في الغالب الزوج بالطبع)، وإسقاط الحضانة والنفقة عن الزوجة الهاجرة في بيت أهلها، وفقدان الأم للحضانة إذا تزوجت من جديد، ومد مدة النشوز إلى سبع سنوات بدلاً من سنتين، وتدخل أهل الزوجة قد يُواجه بعقوبة قانونية، ومن ثم لؤلؤة هذا القانون: قدرة الأب على تزويج ابنته البالغة من العمر 12 عاماً فقط.
ليست هذه كلها بقوانين جديدة تماماً على مدونات الأحوال الشخصية العربية الإسلامية، فالكثير من ملامحها المرعبة موجودة في قوانين الأحوال السنية والشيعية على حد سواء، وفي معظم الدول العربية الإسلامية. لكن التغيير في المشهد العراقي أتى فادحاً، تغييراً أحدث تضخماً مخيفاً في معاناة المرأة العراقية، وأتى مذكّراً بالمسكوت عنه في معظم قوانين الأحوال الشخصية العربية. تقول آية منصور في مقال لها بعنوان «لماذا لا يحق لي كامرأة عراقية، انتقاد المدونة الجعفرية دون اتهامي بالعمالة للغرب»، إن أي محاولة من المرأة العراقية تفنيد أو انتقاد هذه المدونة التي تمس دقائق حياتها سيتم التعامل معها على أنها «تنفيذ لأجندة خارجية، وعمالة للغرب، ومحاولة تدمير للمذهب الشيعي». تأتي هذه الاتهامات، تقول منصور، وسط الصرخات المستغيثة للنساء العراقيات التي حرقت هذه المدونة قلوبهن وحيواتهن، حيث «يظهر ثقل هذه المادة (التي تبيح إخضاع عقود زواج سابقة للقانون الجديد) في حياة أمهات عراقيات دفعهن الخوف من فقدان حضانة أطفالهن لـ «الهروب» إلى مدن أخرى، وترك بيوتهن ووظائفهن بحثاً عن مكان يستطعن فيه الاحتفاظ بأطفالهن بعدما أصبح استقرارهن مهدّداً بطلب يستطيع الزوج تقديمه منفرداً». وتؤكد منصور أن «المدونة تستغبي النساء بمنحن شروطاً تصلح لطمأنتهن عند الزواج، لكنها تتهاوى عند أول خلاف»، ضاربة المثل بالحق باشتراط الزوجة عدم زواج زوجها بأخرى، غير أن المادة ذاتها تحفظ للزوج حقه في تكرار الزواج ولو خالف شرط الزوجة، وأنه في الوقت ذاته الذي تشترط المدونة علم المرأة وموافقتها على الطلاق، تعتبر هذا الطلاق صحيحاً، وإن وقع دون علمها أو رضاها.
كيف تتجلى لرجل صلاحية تزويج طفلته في سن الثانية عشرة، ولا صلاحية لامرأة في سن الخمسين مثلاً في تزويج نفسها؟ وأي نوع من القوانين هذا الذي يقر حقاً في سطر ويسلبه مباشرة في سطر تال يناقضه؟ وكيف يستوجب قانون في دولة مدنية صمت المعنيات به التام، وإلا اتهمن بالعمالة والخيانة؟ هذا، ولم تتوقف هذه الاتهامات عند النساء، بل إن أي مرجعية شيعية لها ثقلها في المشهد العراقي تبدي اعتراضاً أو تخوفاً «على استحياء» يتم اتهامها بأنها «منحرفة وممولة»، حسب تعبير منصور. وعلى حين أن المدونة الجعفرية تؤكد أن قوانينها من شأنها تقليل حالات الطلاق، تماماً كما يؤكد كل قانون أحوال شخصية ديني في كل الدول المشرِّعة، وهو التأكيد الذي يعتقد أنه إيجابي، فإن السؤال يكمن في الثمن الذي تدفعه النساء، كما تقول منصور، أمام هذ الانخفاض في نسب الطلاق. هل ستبقى النساء في زواجاتهن برضاهن، أم أن القانون يلوي أذرعهن خوفاً ورهبة وقلة حلية وضعف مالي؛ للبقاء في زيجات كهذه؟
«يتعامل بعض الرجال مع المدونة كفرصة لـ»تأديب» النساء وإعادتهنّ إلى البيوت»، تؤكد منصور. وهو النتاج الذي لا شك فيه لهذا القانون، سواء كان تأثيراً مقصوداً أم غير مقصود. وبقراء سريعة للمشهد، يبدو أن هدف تأديب النساء وإعادتهن للبيوت مقصود في المشهد العربي الإسلامي عموماً، حيث لم يتورع الكثير من رجال الدين، الشيعة والسنة على حد سواء، إيعاز ارتفاع نسب الطلاق في العالم العربي الإسلامي لاستقلال المرأة الاقتصادي، منهم مثلاً الشيخ عثمان الخميس، الذي صرح أن «90% من حالات الطلاق بسبب عمل المرأة التي استغنت عن زوجها»، طبقاً لقناة المجلس الإخبارية الكويتية. ويرى رجال الدين هؤلاء أن الحل يكمن في إضعاف قدرة المرأة الاقتصادية وإعادتها للاعتماد على الرجل كعائل لإبقائها قسراً في المنزل، دون أي تفكر حقيقي في معنى هذا التوجه المُعلن بلا خجل، ودون الأخذ بعين الاعتبار بأن المرأة ليست كائناً يحتاج لمأكل ومشرب ومأوى فقط، بل هي إنسانة تستحق كافة الحقوق الإنسانية الطبيعية للعيش الكريم، واتخاذ القرار، والأمن والسلام، والسعادة التي لا تتحقق سوى بالحق في تقرير المصير، الذي بدوره لا يتحقق سوى بقوانين عادلة تماماً، تمامٌ شامل كامل لا ينتقص منه مثقال ذرة.
لم يعد الزمن يحتمل المساومة واللف والدوران، المشكلة ليست في قانون إسلامي متشدد نعامله كأنه حالة منفردة منفصلة، المشكلة فعلياً تتجلى في كافة قوانين الأحوال الشخصية في كل الدول العربية والإسلامية التي لا تعامل المرأة على أنها إنسانة متساوية وكاملة الأهلية أمام القانون، ولا تراها إنسانة يجب أن تدخل الزواج بإرادتها وتغادره بإرادتها، إنسانة يجب أن تنال حقوقها كافة، وأنها تتحمل مسؤولياتها كافة، إنسانة لها الحق في الوصاية على نفسها وعلى ذريتها، إنسانة لها الحق في الكرامة الإنسانية الكاملة، في القوى والحقوق القانونية الكاملة، في الفرص المجتمعية والعملية الكاملة، في الأمن والأمان والحرية والحق في تقرير المصير، إنسانة لها الحق بأن تحترمها قوانين دولتها، لا أن تعاملها على أنها فاقدة الأهلية، موصى عليها، مصيرها في يد حفنة ترى جسدها عاراً، وروحها ملكية تنتقل من ذكر لآخر، إنسانة مواطنة لها الحق في حماية دولتها، لا أن تكون دولتها والقبلية والعادات الذكورية البائدة كلها عليها، لا أن تعطي دولتها الحق لآخرين للتشفي والانتقام منها ومعاقبتها والتسلط عليها. متى ترى دولنا إنسانيتنا؟ متى نتحول إلى أرواح لا أشباح؟
*مع التحية للكاتب أنيس منصور، صاحب كتاب «أرواح وأشباح».












































