اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
خاص وحصري - لم تكن رحلة رجل الأعمال والمستثمر الأردني محمد فهيد الشوابكة في دولة الإمارات قصة مشروع ولد كبيراً، ولا استثماراً بدأ برأس مال ضخم ثم توسع تلقائياً، بل مسيرة امتدت لسنوات من التجربة والانتقال بين قطاعات مختلفة، وصولاً إلى بناء حضور استثماري معروف في دبي، خصوصاً في قطاع الضيافة.
وفي قصة الشوابكة جانب يتجاوز النجاح الشخصي؛ فهي تقدم نموذجاً لرجل أعمال أردني وجد في دبي بيئة تسمح للمشروع بأن يبدأ ويتغير ويتوسع، ثم حاول استخلاص الدرس الذي يمكن أن يستفيد منه جيل جديد من الشباب الباحثين عن فرصتهم الأولى.
وتشير المعلومات المنشورة عن مسيرته إلى أن مجموعة «كانا» الاستثمارية التي يملكها بدأت أعمالها عام 1998، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى العقارات عام 2003، ثم تدخل قطاع الضيافة عام 2008، وتتوسع أعمالها في دبي. وتذكر مصادر صحفية أن المجموعة وصلت في مرحلة من مسيرتها إلى 12 فرعاً في الإمارة.
وهنا تظهر أولى سمات التجربة: عدم الارتهان إلى النشاط الأول.
فرجل الأعمال الذي يبدأ في قطاع معين ليس مضطراً لأن يقضي حياته كلها فيه. السوق يتغير، والفرص تتحرك، وما كان ناجحاً بالأمس قد لا يكون القطاع الأفضل غداً.
ومن التجارة إلى العقار، ومن العقار إلى الضيافة، تحولت التجربة تدريجياً من البحث عن فرصة إلى بناء محفظة أعمال متنوعة.
دبي.. حين تصبح بيئة الاستثمار جزءاً من قصة النجاح
يتوقف الشوابكة كثيراً عند تجربة دبي نفسها، فهو لا ينسب نجاح المستثمر إلى رأس المال وحده، وإنما إلى البيئة التي يعمل فيها.
وسبق أن أشاد بالبنية التحتية في الإمارات وسهولة إنجاز المعاملات والوصول إلى الجهات المعنية بالاستثمار، وهي عوامل يرى أنها تساعد رجل الأعمال على التركيز على مشروعه بدلاً من استنزاف وقته في الإجراءات.
وفي حديث سابق لصحيفة «البيان»، وصف الشوابكة النموذج الإماراتي بأنه تجربة متميزة عالمياً، مشيراً بصورة خاصة إلى التطور التكنولوجي واستخدامه في نظم العمل والاقتصاد.
وهذه ربما واحدة من أهم الرسائل التي تقدمها تجربته.
المستثمر لا يبحث دائماً عن إعفاء ضريبي.
أحياناً يبحث عن شيء أبسط وأهم:
أن يعرف ماذا يفعل، وأين يذهب، وكم ستستغرق معاملته، وما القواعد التي سيعمل وفقها غداً.
فالوقت بالنسبة إلى رجل الأعمال جزء من رأس المال.
وكل يوم ينتظره للحصول على ترخيص أو موافقة هو كلفة غير مكتوبة في دفاتر المشروع.
ومن هنا يمكن فهم جزء من جاذبية دبي للمستثمرين: ليست المسألة في حجم السوق فقط، وإنما في تحويل سهولة ممارسة الأعمال إلى عنصر من عناصر المنافسة الاقتصادية.
درس محمد بن راشد.. لا تنتظر المستقبل
وفي قراءة الشوابكة لتجربة دبي، يحضر تأثير الرؤية التي قاد بها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عملية التطوير في الإمارة.
والدرس الذي يمكن استخلاصه من هذه التجربة ليس أن النجاح يتحقق بتقليد دبي حرفياً؛ فلكل بلد ظروفه وإمكاناته.
الدرس الأهم هو طريقة التفكير.
أن تخطط لما ستحتاج إليه المدينة بعد سنوات، لا لما تحتاج إليه اليوم فقط.
أن تكون البنية التحتية سابقة للنمو أحياناً، لا لاحقة له دائماً.
وأن تنظر إلى المستثمر كشريك في صناعة الاقتصاد، مع إخضاعه في الوقت نفسه لقواعد واضحة.
وأن يصبح السؤال في الإدارة:
كيف ننجز؟
لا: لماذا لا نستطيع؟
وهذه العقلية مهمة جداً لأي شاب يدخل عالم الأعمال.
فالمشروع الناجح يبدأ غالباً برؤية شيء لا يراه الآخرون بعد.
الضيافة.. من تقديم الخدمة إلى صناعة التجربة
الانتقال إلى قطاع الضيافة عام 2008 كان محطة مهمة في مسيرة المجموعة.
فالضيافة في مدينة مثل دبي ليست قطاعاً سهلاً.
المنافسة مرتفعة.
والعميل لديه خيارات كثيرة.
ومعايير الخدمة تتغير باستمرار.
والسمعة قد تُبنى خلال سنوات وتتضرر من تجربة سيئة واحدة تنتشر على المنصات الرقمية.
ولهذا فإن النجاح في هذا القطاع لا يعتمد فقط على الموقع والديكور والطعام أو المنتج.
هناك شيء أصعب:
أن تجعل العميل يعود.
وهنا تتحول الضيافة من عملية بيع إلى صناعة تجربة.
تفاصيل صغيرة ـ الاستقبال، النظافة، سرعة الخدمة، طريقة التعامل مع الشكوى، جودة المنتج، تدريب الموظف ـ تصبح كلها جزءاً من القيمة التي يشتريها العميل.
وهذا أيضاً درس يصلح خارج الضيافة.
المنافسة الحديثة لم تعد دائماً على المنتج.
إنها على التجربة التي تحيط بالمنتج.
أردني نجح في الخارج ولم يقطع صلته بالأردن
اللافت كذلك أن حضور الشوابكة في الإمارات لم يلغِ ارتباطه بمجتمع الأعمال الأردني.
فهو عضو في مجلس إدارة مجلس الأعمال الأردني في دبي، وفق ما يظهر في منشورات المجلس، كما شارك عبر السنوات في مناسبات وفعاليات للجالية الأردنية في الإمارات.
وفي وقت سابق استضاف لقاءً لرئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز مع مجموعة من رجال الأعمال والمستثمرين الأردنيين في دبي، بحضور السفير الأردني وشخصيات من مجتمع الأعمال الأردني في الإمارات، وتركز اللقاء على قضايا اقتصادية واستثمارية.
وهذا يفتح جانباً مهماً في قصص نجاح الأردنيين في الخارج.
المغترب الناجح ليس فقط شخصاً يحول المال إلى بلده.
قد يكون جسراً اقتصادياً.
يعرف السوق الذي يعيش فيه.
ويعرف بلده.
ويملك شبكة علاقات في الجانبين.
ويستطيع أن يقول للمستثمر الخارجي أين توجد الفرصة في الأردن، وأن يقول لصانع القرار الأردني في المقابل ما الذي يجعل المستثمر يتردد.
وعندما يتحدث عن الأردن.. ماذا يريد المستثمر؟
للشوابكة تجربة سابقة في طرح ملف الاستثمار الأردني من هذه الزاوية.
فقد دعا إلى إزالة معيقات الاستثمار وتحسين التسهيلات المقدمة للمستثمرين، وتحدث في الوقت نفسه بإيجابية عن تطوير التشريعات وتوحيد المرجعيات الاستثمارية، كما ناقش في مرحلة سابقة إمكانية تنفيذ استثمارات في محافظة عجلون.
وهنا ربما يكون صوت المستثمر الأردني في الخارج مهماً بصورة خاصة.
لأنه يستطيع المقارنة.
لا يقارن الأردن بنظرية في كتاب اقتصاد.
يقارنه بتجربة عاشها يومياً في سوق آخر.
كم تستغرق الرخصة هنا؟
وكم تستغرق هناك؟
كيف يعامل المستثمر؟
كم جهة يراجع؟
هل تتغير التعليمات؟
هل يستطيع الوصول إلى صاحب القرار عندما تتعطل معاملته؟
هذه التفاصيل قد تبدو إدارية، لكنها في النهاية تتحول إلى قرار مالي:
أستثمر هنا أم هناك؟
ما «الخلطة السرية» للشباب؟
لا توجد في عالم الأعمال وصفة تضمن النجاح، وقصة رجل أعمال واحد لا يمكن استنساخها بحذافيرها.
لكن مسيرة الشوابكة تسمح باستخلاص مجموعة من المبادئ العملية.
أولها أن البداية ليست حكماً على النهاية. دخول قطاع في بداية الحياة المهنية لا يعني البقاء فيه إلى الأبد.
وثانيها أن المرونة ليست تردداً. الانتقال من نشاط إلى آخر عندما تظهر فرصة مدروسة قد يكون علامة على قراءة السوق لا على التخلي عن المشروع.
وثالثها أن النجاح يحتاج إلى الصبر. المسافة بين عام 1998 وبناء مجموعة متعددة الأنشطة لم تُقطع في عام أو عامين.
ورابعها أن السمعة رأس مال.
في الضيافة خصوصاً، تستطيع شراء الأثاث والمعدات والموقع، لكن الثقة لا تُشترى جاهزة.
وخامسها، وربما الأهم:
لا تنتظر الظروف المثالية كي تبدأ.
فكثير من الشباب يعتقد أن مشروعه يحتاج منذ اليوم الأول إلى رأس مال كبير ومكتب فاخر وفريق كامل.
بينما قصص الأعمال في العالم غالباً تبدأ أصغر بكثير مما تصبح عليه لاحقاً.
الفشل ليس نهاية الطريق
هناك جانب آخر لا يظهر كثيراً عندما نروي قصص رجال الأعمال.
نرى النتيجة.
الفروع.
العلامة.
النجاح.
لكننا لا نرى السنوات التي سبقتها.
ولا الصفقات التي لم تنجح.
ولا القرارات التي جرى التراجع عنها.
ولا الليالي التي لم يكن صاحب المشروع يعرف فيها إن كان الشهر المقبل أفضل أم أسوأ.
ولهذا قد تكون أخطر صورة نقدمها للشباب عن ريادة الأعمال هي أنها طريق مستقيم من الفكرة إلى الملايين.
ليست كذلك.
رائد الأعمال يخطئ.
يغير رأيه.
يخسر فرصة.
يدخل قطاعاً ثم يخرج منه.
وأحياناً يكون القرار الذي ينقذ المشروع ليس قرار التوسع، وإنما قرار الاعتراف بأن فكرة ما لم تعد تعمل.
النجاح ليس ألا تفشل أبداً.
بل ألا تجعل الفشل الأخير هو نهاية القصة.
قصة فرد.. ورسالة لدولتين
في تجربة محمد فهيد الشوابكة بعد آخر يتجاوز شخصه.
بالنسبة إلى الإمارات، هي مثال على قدرة البيئة الاستثمارية على استقطاب مستثمر عربي ومنحه مساحة للنمو والتوسع.
وبالنسبة إلى الأردن، تحمل رسالة مختلفة:
لدينا في الخارج رجال أعمال راكموا خبرات وشبكات علاقات ومعرفة بأسواق عالمية.
وهؤلاء ليسوا مجرد «مغتربين ناجحين».
إنهم رأس مال معرفي واقتصادي أردني يمكن الاستفادة منه.
السؤال ليس فقط: كيف نقنعهم بإعادة أموالهم؟
بل:
كيف نستفيد من خبرتهم؟
كيف ندخلهم في شراكات؟
كيف نستمع إلى تقييمهم لبيئة الأعمال؟
وكيف نجعل المستثمر الأردني الذي نجح في دبي أو أبوظبي أو الرياض أو لندن سفيراً اقتصادياً للمملكة؟
من 1998 إلى اليوم.. الرحلة نفسها هي الإنجاز
ربما لا تكمن القيمة الأهم في قصة الشوابكة في عدد الشركات أو الفروع.
بل في المسافة بين البداية وما وصلت إليه التجربة.
بدأت رحلة المجموعة عام 1998، وتحركت بين التجارة والعقار والضيافة، وبنت حضوراً في سوق شديد المنافسة مثل دبي.
وهذه المسافة هي التي يحتاج الشاب الطموح إلى رؤيتها.
لأن القصص الملهمة لا تقول له:
ستنجح حتماً.
بل تقول شيئاً أكثر واقعية:
يمكن أن تبدأ صغيراً.
يمكن أن تغير مسارك.
يمكن أن تتعلم من السوق.
يمكن أن تفشل ثم تعيد المحاولة.
ويمكن لاسم أردني بدأ رحلته قبل نحو ثلاثة عقود أن يجد لنفسه مكاناً في واحدة من أكثر مدن العالم تنافسية في الأعمال والضيافة.
وفي النهاية، ربما تكون «الخلطة السرية» أقل تعقيداً مما نتصور:
رؤية تسبق الخطوة، وجرأة تبدأ بها، وانضباط يحافظ عليها، وصبر يمنح الفكرة الوقت الكافي لتكبر.
أما الفرصة، فقد لا تأتي دائماً إلى بابك.
أحياناً عليك أن تذهب أنت إليها.












































