اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦
نوره حمد الشبل
في اللحظات القاسية، حين يختلط الخوف بالألم، تصبح اليد الممتدة للمساعدة أثمن ما يبحث عنه الإنسان. وقد توقفت طويلًا أمام رواية الأستاذة ابتهال عبدالله، الموظفة في مطار الملك خالد الدولي بالرياض، التي واجهت مشهد المصابين بقلب رحيم وإرادة شجاعة، وأسهمت في إنقاذهم ومساندتهم رغم تعرضها للإصابة. إنها حكاية تستحق أن تُروى، وأن تجد مكانها في ذاكرتنا، لما تحمله من معاني الإنسانية والمسؤولية والإيثار.
وبحسب روايتها، بدأت بالمساعدة في فتح باب الطوارئ وتوجيه الموجودين نحو الخروج، ثم واصلت الوقوف إلى جانب المصابين. وفي مثل تلك الظروف، تصبح معرفة الطريق إلى النجاة مسؤولية عظيمة؛ فالإشارة إلى مخرج، وإرشاد شخص مرتبك، ومساندة عاجز عن الحركة، أعمال قد تصنع فارقًا في حياة إنسان. وقد أسهمت ابتهال في إجلاء المسافرين وإرشاد المسعفين إلى الجرحى، مقدمة معرفتها بالمكان في خدمة المحتاجين إلى النجدة.
ومن المواقف التي تختصر إنسانيتها استنجاد رجل كبير في السن بها قائلًا: «تكفين يا بنتي»، لتجيبه: «أبشر». أحضرت له كرسيًا، وساعدته بالتعاون مع رجال الأمن. كلمات قليلة حملت في ذلك الظرف معنى كبيرًا؛ رجل يتألم ويطلب العون، وامرأة تستجيب له بما تستطيع، وتحوّل تعاطفها إلى عمل. وفي هذه الاستجابة نرى قيمة التربية على الرحمة، واحترام الكبير، وإغاثة الملهوف.
وفي التفريغ الذي وصلني من حديثها، روت كذلك كيف حاولت تهدئة امرأة منهارة، وذكرت وقوفها إلى جانب مصاب وتلقينه الشهادة. وهي مواقف ثقيلة على النفس، تحتاج إلى قدر كبير من الثبات والرفق. فالمساندة في أوقات الشدة تشمل الكلمة التي تخفف الفزع، والدعاء الذي يؤنس القلب، والحضور الإنساني الذي يشعر معه المتألم بأنه يجد من يقف بجانبه.
وخلال مشاركتها في أعمال الإنقاذ، سقطت ابتهال على سلم كهربائي وأُصيبت، ثم نهضت وواصلت المساعدة، وقالت إنها لم تشعر بالألم وقتها. ويكشف ذلك حجم انشغالها بمن حولها، وقدرتها على مواصلة دورها وسط ظروف مرهقة. كما أشارت إلى أثر تدريبها على الطوارئ في جاهزيتها، وإلى تكاتف العاملين ورجال الأمن وفرق الإنقاذ؛ وهي شهادة تذكّرنا بأن الرحمة، حين تسندها المعرفة والتعاون، تصبح أقدر على حماية الأرواح.
إن موقف ابتهال يبعث فينا الفخر بالمرأة السعودية، وبما تقدمه في مواقع العمل والخدمة والعطاء. لقد رأينا في قصتها امرأة تحمل مسؤوليتها بوعي، وتستثمر معرفتها ومهارتها لمساعدة الآخرين. وهذه صورة تستحق أن تصل إلى بناتنا وأبنائنا، ليتعلموا أن الشجاعة تُبنى أيضًا بالاستعداد، وأن خدمة الإنسان تبدأ بالشعور بمسؤوليته تجاه من يحتاج إليه.
ومن واجبنا الإعلامي أن نمنح هذه النماذج ما تستحق من تقدير، وأن نوثق تفاصيلها بأمانة، ونحفظ لأصحابها فضلهم، ولجميع المشاركين جهودهم. كما أن تكريم المواقف الإنسانية يعزز قيم النجدة والتعاون، ويشجع على تعلم الإسعافات الأولية والتعامل الصحيح مع الطوارئ، حتى يكون كل فرد أكثر قدرة على تقديم العون عندما تستدعي الحاجة.
شكرًا للأستاذة ابتهال عبدالله على شجاعتها ورحمتها، وشكرًا لكل يد أسهمت في نجدة مصاب وطمأنة خائف. نسأل الله لها تمام العافية، وللمصابين الشفاء، وللمتوفين الرحمة والمغفرة. ستبقى قصتها شاهدًا على عطاء امرأة سعودية أدركت قيمة اللحظة، وبذلت فيها جهدها وقلبها لخدمة الإنسان










































