اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ نيسان ٢٠٢٦
د. هاني بن محمد أبوراس
يتحدد مسار الاقتصاد، كلما ازداد تعقيده، عبر تشكّل القيمة داخله، وبالطريقة التي تتحرك بها الموارد لتلاقي هذا المسار، أكثر من كونه انعكاساً لحجم ما ينتجه، فالنشاط الاقتصادي لا يتوزع عشوائياً، بل يعيد ترتيب نفسه وفق منطق يتكوّن تدريجياً، تتفاعل فيه الخصائص المكانية، والقدرات الإنتاجية، وأنماط الطلب. غير أن هذا المسار، على وضوح ملامحه في كثير من الأحيان، لا يقابله بالضرورة انتظام مماثل في حركة الموارد، وهو ما يفتح المجال لظهور فوارق لا تعكس ضعفاً في النشاط بقدر ما تكشف فجوة في درجة اتساقه مع ما يدعمه.
وفي هذا السياق، ومع تزايد تعقيد البنية الاقتصادية وتشابك عناصرها، يتبدل موقع التمويل بهدوء من كونه أداة استجابة إلى كونه جزءاً من هذا البناء، فحين تتحرك الموارد وفق أنماط مستقرة، قد تبدو في ظاهرها كافية، لكنها تميل، دون أن يُقصد ذلك، إلى تعزيز الأنشطة القائمة أكثر من مواكبة ما ينشأ منها. ومع مرور الوقت، يتشكل نوع من التباعد التدريجي، حيث تتقدم بعض المكونات في وزنها الاقتصادي، بينما لا يواكبها تدفق ملائم من الموارد، لا لغيابها، بل لأن مساراتها لم تُصغ بعد بما يكفي لالتقاط هذا التحول. ولا يظهر هذا التباعد في صورة مباشرة، بل في شكل نموٍ لا يبلغ مداه، أو فرصٍ تتأخر عن التحول إلى أثر فعلي، رغم توافر مؤشرات مبكرة على إمكان تحققها. وقد يُفهم التحدي في مثل هذه الحالات على أنه نقص في الموارد، بينما يكمن جوهره، في كثير من الأحيان، في مدى توافق هذه الموارد مع طبيعة الأنشطة الاقتصادية وتوزعها، وفي قدرتها على التفاعل مع مواقع القيمة داخلها دون تأخر أو انفصال. ويتضح اتساع الفجوة في بعض السياقات، رغم تنامي حجم الموارد، بما يشير إلى أن التحدي لا يرتبط بندرتها، بل بدرجة اتساقها مع تشكّل القيمة. فلا يكون غياب الموارد هو ما يحدّ من الأثر، بل المسافة التي تفصل بينها وبين تحققّه.
ومن هنا، تتسع زاوية النظر من التركيز على حجم التمويل إلى التأمل في كيفية تحركه، لا بوصفه تدفقاً مستقلاً، بل باعتباره امتداداً لبنية أعمق تنشأ عبر تفاعل مستمر بين النشاط والموارد. فكل اقتصاد يحمل في داخله إشارات دقيقة إلى مسارات تطوره، بعضها ظاهر في أدائه، وبعضها الآخر في خصائصه المكانية وتراكماته الإنتاجية. غير أن هذه الإشارات، على وضوحها، لا تنعكس دائماً بوضوح في حركة الموارد، إما لأنها تُقرأ بمعزل عن سياقها، أو لأنها لا تزال تُقابل بأنماط تمويلية تشكّلت في سياقات سابقة.
وعند ذلك، لا يكون المطلوب إعادة توجيه الموارد على نحو مباشر، لأن ذلك قد يقيّد ديناميكية الاقتصاد ويحد من قدرته على الابتكار، كما لا يكون تركها تعمل بمعزل عن هذه الإشارات كافياً، لأن ذلك قد يُبقي الفجوة قائمة بين ما يتشكل وما يموّل. بل يبرز مسار ثالث يقوم على تطوير منظومة الموارد بحيث تصبح أكثر قدرة على التفاعل مع طبيعة الاقتصاد والتوجه نحوه تلقائياً.
وهذا التوجه لا يهدف إلى ضبط التمويل بقدر ما يسعى إلى تحريره من أنماط قد لا تعكس الواقع المتغير، بحيث يصبح أكثر قدرة على مواكبة الاقتصاد في حركته، لا متأخراً عنه ولا سابقاً عليه. فحين تتسق الموارد مع البنية، لا يعود التمويل مجرد وسيلة دعم، بل يتحول إلى عنصر فاعل في تعميق الأثر، وتوسيع نطاق القيمة، وتمكين الاقتصاد من أن يتطور من داخله على نحو أكثر توازناً واستدامة.
وعليه، فإن التعامل مع توزيع الموارد لم يعد أمراً يمكن حصره ضمن إجراءات محدودة أو أدوات منفصلة، بل أصبح جزءاً من أفق أوسع يتعلق بكيفية قراءة الاقتصاد لنفسه، وبالقدرة على ترجمة هذه القراءة إلى حركة موارد تعكس حقيقته المتغيرة. وفي هذا الإطار، لا يُقاس نجاح التخصيص بحجم ما يُضخ، بل بمدى اقترابه من القيمة، وبقدرته على تقليص المسافة بين الفرص المتاحة والتحقق الفعلي، في سياق يتسم بالتوازن والمرونة في آن واحد، حيث لا تكتمل القيمة إلا حين تجد في حركة الموارد ما يوازيها، لا ما يتأخر عنها أو ينفصل عنها.










































