اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ حزيران ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
المشكلة التي تطلب الحل في المنظمات الدولية، وبالأخص في مجلس الأمن، تتعلق بأزمة التمثيل وبالعدالة، لأن هيكله الحالي يعكس موازين القوى عام 1945، ولا يدخل في حساباته المؤثرين الجدد بعد الألفية الثانية، ولهذا لا يوجد فيه مقعد دائم للمجموعة العربية والإسلامية، ولا للقارة الأفريقية، ولا لأميركا اللاتينية، مع أن معظم القضايا التي يناقشها تخصها..
المنظمات الدولية كالأمم المتحدة تواجه في العام الجاري وضعا متفاقما تراكم منذ تأسيسها في 1945، ويعود ذلك إلى مجموعة من الأزمات الهيكلية والسياسية التي عطلت قدرتها على الفعل، فالدول الكبرى سيطرت عليها، وسخرتها لخدمة مصالحها الخاصة، والأصعب أن مجلس الأمن أصيب بالشلل الرباعي، نتيجة لاستخدام الفيتو من قبل الدول دائمة العضوية فيه، وعلى سبيل المثال، استخدمت أميركا الفيتو 88 مرة دعما لدولة الاحتلال، وحصة الولايات المتحدة في ميزانية الأمم المتحدة تصل نسبتها إلى 22 %، وتعتبر الممول الأكبر فيها، وتأتي بعدها اليابان بـ12 %، ثم ألمانيا بـ8 %، وهما ليسا من الأعضاء الدائمين، ويطالبون بذلك وبالفيتو، وبريطانيا وفرنسا لديهما حق النقض، ولا تتجاوز حصتهما منفردتان 6 %، وإيطاليا 5 %، وكندا والصين وإسبانيا 3 % لكل منهم، والمكسيك 2 %، وبقية دول العالم وعددها 183 دولة يمثلون ما نسبته 24 %، ولا بد من الإشارة إلى أن هذه المنظمة الأممية العتيدة تشغل أربعين ألف موظف تقريباً.
اللافت أنه وفي أواخر مايو 2025 قررت أميركا التوقف عن سداد مساهمتها السنوية في الأمم المتحدة، وقدرها حوالي 761 مليون دولار، وما فعلته سيهدد برامج إنسانية وتنموية في 50 دولة، ولعل الأنسب هو إيجاد طريقة للتصويت على حجب حق الفيتو عنها، فمن غير المعقول أن تعطل الولايات المتحدة القرارات الأممية بدون مقابل، ومن الحروب التي استخدم فيها الفيتو، الحرب الكورية، التي وقعت ما بين عامي 1950 و1953، والعدوان الثلاثي على مصر في 1956، واستخدمه الاتحاد السوفيتي ضد الاعتراف بدولة الكويت بعد استقلالها، إكراما لحليفها الرئيس العراقي الأسبق عبدالكريم قاسم، وبعد الانقلاب عليه وتصفيته توقف عن ذلك، ووظفته روسيا والصين في الحرب الحالية على إيران، لإسقاط مشروع قرار بحريني يخص ضمان أمن الملاحة وفتح مضيق هرمز، والعجيب أنه وطبقا لتقرير الأمانة العامة للأمم المتحدة الصادر في أكتوبر 2025، تأتي أميركا والصين وروسيا في صدارة قائمة المدينين للمنظمة، وبنحو 495 مليون دولار للأولى، و192 مليون دولار للثانية، و72 مليون دولار للثالثة.
المشكلة التي تطلب الحل في المنظمات الدولية، وبالأخص في مجلس الأمن، تتعلق بأزمة التمثيل وبالعدالة، لأن هيكله الحالي يعكس موازين القوى عام 1945، ولا يدخل في حساباته المؤثرين الجدد بعد الألفية الثانية، ولهذا لا يوجد فيه مقعد دائم للمجموعة العربية والإسلامية، ولا للقارة الأفريقية، ولا لأميركا اللاتينية، مع أن معظم القضايا التي يناقشها تخصها، والاستبدال غير ممكن، لعدم وجود كيان لديه شرعية مماثلة للأمم المتحدة، ويشترك في عضويته 193 دولة، بجانب أنه سيؤدى إلى انهيار معاهدات كثيرة مرتبطة بها.
بالعودة إلى التاريخ سنجد أن عصبة الأمم، التي حضرت ما بين 1920 و1945، وصفت بالفاشلة هيكليا، استنادا لدراسة نشرتها جامعة ييل الأميركية في 2023، لأنها لم تتمكن من منع الحرب العالمية الثانية، وقد نجحت في حل عشرة نزاعات حدودية صغيرة في العشرينات الميلادية، ولكنها أخفقت في التعامل مع كل الأزمات الأكبر، ومن الشواهد، اجتياح اليابان لمنشوريا في 1931، وغزو إيطاليا للحبشة في 1935، والأمم المتحدة منذ تأسيسها، وفق تقرير لمعهد أوسلوا لأبحاث السلام في 2025، نجحت في منع قيام حرب عالمية ثالثة لمدة 80 عاماً، رغم وجود أكثر من 250 نزاعا إقليميا، ونجاحاتها الفعلية، في اعتقادي، تنموية وإنسانية، لأنها لم توفق سياسيا بسبب الفيتو، الذي استخدم في مجلسها 293 مرة، ولا أدري لماذا لا يكون بالأغلبية كما التصويت العادي، أو يعطى صاحبه أصوات إضافية كأفضلية.
زيادة على ذلك، الخسائر المالية في الحرب العالمية الثانية قاربت أربعة ترليونات دولار، بأسعار الصرف المعمول بها اليوم، بينما وصلت التكاليف الاقتصادية للعنف والنزاعات المسلحة في زمن الأمم المتحدة، وفي عام 2024 وحده إلى 19 ترليون دولار، أو ما يعادل 13,5 % من إجمالي الناتج المحلي العالمي، طبقا لمؤشر السلام العالمي في يونيو 2025، وبالتالي إذا كانت عصبة الأمم لم توفق في وقف كارثة واحدة، فإن الأمم المتحدة فقدت السيطرة على النزاعات الصغيرة المتكررة، وعلى كلفتها المتصاعدة، ولا أبالغ لو قلت إنها في مجموعها تفوق الكارثة بمراحل.
توجد نماذج قديمة تقارب شكل المنظمات الدولية، من أبرزها، عصبة بانيونيا في القرن السابع قبل الميلاد، التي كانت عبارة عن اتحاد يضم 12 مدينة يونانية في آسيا الصغرى، وحلف الفضول في الحضارة العربية قبل الإسلام عام 590 ميلادية، ومجلس المقاطعات في حضارة الإيراكوي، أو اتحاد الأمم الست في أميركا الشمالية عام 1142 ميلادية، وانهيار هذه المنظمات البدائية كان بالحروب الشاملة، وقد تنهار نظيراتها في هذه الأيام، بفعل البيروقراطية والديون وفقدان الثقة، والمعنى أن العالم لا يحتاج إلى منظمات جديدة، وإنما إلى إرادة سياسية تضع القانون فوق المصلحة، وهو ما لم يحدث منذ حلف الفضول، الذي ارتهن لهيبة الأشخاص لا لقوة المؤسسة.










































