اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ نيسان ٢٠٢٦
د. هاني بن محمد أبوراس
في مراحل معينة من تطور الاقتصادات، يتغير نوع الأسئلة التي تُطرح. لم يعد الاهتمام منصباً على زيادة الإنتاج أو توسيع النشاط بقدر ما يتجه نحو مراجعة أعمق لطبيعة ما يُعد مورداً في المقام الأول، وكيف تتشكل القيمة في ضوء التحولات التي يشهدها النسق الاقتصادي. ففي مثل هذه اللحظات، لا يكون التحدي في إضافة عناصر جديدة بقدر ما يكون في إعادة قراءة ما هو قائم، والنظر إليه من زاوية مختلفة تكشف أبعاداً لم تكن موضع اعتبار من قبل، وتعيد ترتيب موقعه داخل هذا البناء.
هذا التحول لا يرتبط بظهور موارد جديدة، بل بإعادة توصيف الموارد ذاتها، حيث تبدأ بعض العناصر التي اعتُبرت مخرجات نهائية في الظهور كمدخلات محتملة ضمن دورة العمل الاقتصادي. وعند هذه النقطة، يتغير الخط الفاصل بين ما يُعد عبئاً وما يُعد قيمة، لا من حيث اختفائه، بل من حيث مرونته، إذ يحل محله تصور أكثر اتساعاً يقوم على إعادة الإدماج بدل الاستبعاد، وعلى فهم العناصر ضمن سياقها الكلي لا في حدود وظيفتها المباشرة.
وما يحدد القيمة في هذا السياق ليس طبيعة المورد بقدر ما هو موضعه داخل هذا البناء. فقد يبدو العنصر ذاته عديم الجدوى في سياق معين، ثم يتحول إلى مصدر ذي جدوى في سياق آخر، لا لأنه تغيّر في ذاته، بل لأن طريقة إدراجه تغيّرت. ولهذا فإن كثيراً من الإمكانات تبقى غير مستغلة، لا لغيابها، بل لأن الطريقة التي تُقرأ بها لا تسمح برؤيتها أو تقدير أثرها ضمن المنظومة.
ومع اتساع دور المعرفة والتقنية، يصبح هذا التحول أكثر وضوحاً، إذ لم يعد تطوير المجال ذاته كافياً لتحقيق الأثر المطلوب، ما لم يُصاحب ذلك إعادة نظر في البيئة التي يعمل ضمنها، وفي علاقته ببقية مكونات المنظومة الاقتصادية. وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من التعامل مع الأنشطة بوصفها وحدات منفصلة، إلى النظر إليها ضمن تصور كلي تتضح فيه الروابط، وتُعاد فيه صياغة الأدوار بما يحقق قدراً أعلى من التكامل دون أن يؤدي إلى التداخل.
وفي هذا السياق، تتبدل دلالات عدد من الممارسات التي كانت تُصنّف تقليدياً ضمن نطاقات خدمية أو تشغيلية، لتأخذ موقعاً مختلفاً داخل هذا النسق، بحيث لا تُقاس بما تنتجه بصورة مباشرة، بل بما تضيفه إلى كفاءة تكوينه العام، سواء من حيث تحسين استخدام الموارد، أو تقليل الفاقد، أو تعزيز الترابط بين مكوناته. ولا يقتصر أثر هذا التحول على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى أبعاد أخرى، من بينها البعد البيئي المرتبط بكفاءة استخدام الموارد، وكذلك البعد المؤسسي المتصل بتنظيم العلاقة بين الجهات المختلفة على نحو يضمن وضوح الأدوار وتكاملها.
ومع ذلك، فإن الأثر الأعمق لهذا التحول لا يظهر في طبيعة هذه الممارسات ذاتها، بل في زاوية النظر التي يُعاد من خلالها فهمها، حيث لا تعود القيمة مجرد نتيجة تُقاس، بل مدخلاً يُعاد عبره ترتيب الأولويات وتوجيه القرار. وعند هذا المستوى، لا تكون القضية في تحديد ما يحقق عائداً مباشراً، بل في إدراك ما يسهم في رفع كفاءة هذا البناء واستدامته على المدى الأبعد.
وفي ضوء ذلك، لا يعود السؤال عمّا يُعد مورداً قائماً بذاته، بل عمّا الذي يجعل هذه القيمة تظهر من الأساس، ومتى تبدأ بالانكشاف، وعلى أي نحو يمكن قراءة هذه اللحظة حين تقع؟










































