اخبار السعودية
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
الرياض - الخليج أونلاين
لم تكن الحرب الإقليمية التي اندلعت في فبراير/شباط 2026 اختباراً عسكرياً وأمنياً لدول الخليج فحسب، بل شكلت صدمة اقتصادية غير مسبوقة، مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وتراجع صادرات الطاقة، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتضرر قطاعات السياحة والطيران والخدمات.
ومع ذلك، أظهرت الاقتصادات الخليجية قدرة على امتصاص جانب من الصدمة، مستفيدة من الاحتياطيات المالية، والبنية التحتية للطاقة، وتنوع الأنشطة الاقتصادية، والتحرك السريع للمؤسسات الحكومية والمصرفية.
لكن الأرقام تكشف حقيقة أكثر تعقيداً، نجح الخليج في احتواء جانب من تداعيات الحرب، لكنه لم يتجاوز آثارها الاقتصادية بالكامل.
احتياطيات مالية ومسارات بديلة
بحسب صندوق النقد الدولي، ساعدت ستة عوامل رئيسية الاقتصادات الخليجية على مواجهة الأزمة، من بينها تنويع مسارات تصدير النفط، وتوسيع الأنشطة غير النفطية، وتوافر الاحتياطيات المالية والسيولة، إلى جانب التدخلات الحكومية السريعة لدعم الأسواق وحماية البنية التحتية.
وكانت قدرة السعودية على استخدام خط أنابيب الشرق–الغرب، الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر، مثالاً واضحاً على أهمية البنية التحتية البديلة. كما لجأت شركات الطاقة إلى ترتيبات لوجستية، شملت نقل الشحنات بين السفن قبالة سواحل الإمارات وعُمان، لتقليل الاعتماد على مسارات الشحن المتأثرة بالحرب.
ووفقاً لصحيفة «فايننشال تايمز»، ارتفع إنتاج السعودية النفطي إلى 8.4 ملايين برميل يومياً في سبتمبر/أيلول، بينما بلغ إنتاج العراق 4.4 ملايين برميل يومياً، في مؤشر إلى تعافي جانب من الإمدادات، وإن بقي هذا التعافي معرضاً للانتكاس مع تجدد الهجمات البحرية.
الاقتصادات غير النفطية.. صمام أمان
لم تعد اقتصادات الخليج تعتمد على النفط وحده بالدرجة التي كانت عليها في السابق. فقد أسهمت قطاعات السياحة والخدمات المالية والتجارة والعقارات والتكنولوجيا في توفير مصادر دخل إضافية، وإن تفاوتت قدرتها على مواجهة الأزمة من دولة إلى أخرى.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي، التي نقلتها رويترز في 15 أكتوبر/تشرين الأول، إلى أن السعودية والإمارات وقطر حققت في 2025 نمواً بلغ 4.6% و6.2% و1.8% على التوالي. غير أن تداعيات الحرب قلبت التوقعات لعام 2026، مع توقع انكماش الناتج المحلي السعودي بنحو 3.3%، والإماراتي 3.9%، والقطري 15.6%، وفق تقديرات الصندوق الواردة في التقرير.
وتوضح هذه الأرقام أن امتلاك قطاعات اقتصادية متنوعة لا يلغي أثر تعطل صادرات الطاقة أو اضطراب حركة الطيران والتجارة، لكنه يمنح الاقتصادات قدرة أكبر على استعادة النشاط عندما تتحسن الظروف.
تدخلات حكومية لحماية الأسواق
على المستوى المالي، تحركت الحكومات والمصارف المركزية لتوفير السيولة، وتخفيف اختناقات التجارة، ودعم الشركات والأسر. وأكد صندوق النقد الدولي أن هذه الإجراءات ساعدت على الحد من انتقال الصدمة إلى النظام المالي والأنشطة الاقتصادية الأخرى، مع التشديد على ضرورة أن تكون برامج الدعم محددة وشفافة ومؤقتة.
كما برزت أهمية المخزونات الاستراتيجية والقدرة على تنويع مصادر الاستيراد، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الشحن والضغوط على سلاسل الإمداد.
التعافي مرهون بعودة الملاحة
رغم هذه الإجراءات، لا تزال المخاطر كبيرة. فقد حذر البنك الدولي في تقريره الصادر في 6 أكتوبر/تشرين الأول من أن اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي قد تنكمش في المتوسط بنسبة 4.3% خلال 2026، في ظل اضطراب صادرات النفط والغاز وتراجع السياحة والطيران والخدمات اللوجستية.
في المقابل، يتوقع صندوق النقد الدولي انتعاشاً قوياً في 2027 إذا عادت الملاحة تدريجياً إلى طبيعتها، مع نمو متوقع للاقتصاد السعودي بنسبة 7.9%، والإماراتي 7.7%، والقطري 18.8%، وفق السيناريو الوارد في تقرير رويترز.
في المحصلة، لم تكن نجاعة الاقتصادات الخليجية في تجنب الخسائر، بل في استخدام أدوات مالية ولوجستية ومؤسسية لتخفيفها ومنع تحولها إلى أزمة أعمق. ويبقى الاختبار الحقيقي هو قدرة دول الخليج على مواصلة التنويع الاقتصادي، وتقوية طرق التصدير البديلة، وحماية الاستثمار والثقة بالأسواق، حتى لا تتحول صدمة الحرب المؤقتة إلى انتكاسة طويلة الأمد.










































