اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ تموز ٢٠٢٦
د. علي الخشيبان
السياسات الأميركية تواجه تحديات جوهرية حول قدرتها على إحداث تغييرات جوهرية وإيجابية داخل النظام العالمي، والسبب في ذلك مرتبط بشكل مباشر من معاناة أميركية من توسعها السياسي والاقتصادي والعسكري المفرط بشكل لم يعد محتملًا من المجتمع الأميركي نفسه..
بعد النصف الثاني من القرن العشرين كانت حروب وسياسات أميركا تساهم وبشكل فعال في بناء نموذج للهيمنة الأميركية على المستوى الدولي، وقد تقبل العالم الهيمنة الأميركية دون تردد وخاصة أن الحضارة الأميركية قدمت للعالم منتجات اقتصادية وسياسية جاذبة، ولكن هذا المسار تحول وبشكل جذري بعد حدثين مهمين الأول سقوط الاتحاد السوفيتي في تسعينات القرن الماضي، والثاني أحداث سبتمبر في بداية القرن الحادي والعشرين، وقد أدت هذه الأحداث إلى تحول مفرط في السياسية الأميركية في التعبير عن الهيمنة وفرض فكرة القطب الواحد، وكانت النتيجة المنتظرة زيادة التوتر في السياسة الأميركية نحو العالم وحصر الحلول للقضايا الدولية عبر مسار ضيق تشكل القوة فيه كل شيء.
السؤال الجوهري يدور حول القوة الأميركية، وهل تعاني هذه القوة من أزمة قادمة تنعكس على بنية النظام العالمي الذي تغيرت ملامحه مع مرور أكثر من ثلاثين عاماً على سقوط الاتحاد السوفيتي وربع قرن على أحداث سبتمبر؟
المجادلة الدولية اليوم تتناول وبعمق فكرة الزعامة الأميركية للعالم، وهل مازالت أميركا الدولة التي لا يمكن الاستغناء عنها، الواقع يقول إن أميركا تواجه تحديات كبرى على المستوى الدولي، وهذا يعني أن العالم يتجه نحو واقع مضطرب ومكون من تحديات أمنية معقدة وخاصة أن أميركا اليوم أظهرت في سياستها الدولية أنها تخلط كثيراً بين قوتها الاستراتيجية وقوتها العسكرية التي تم اختبارها خلال ربع قرن مضى، وأثبتت أنها عاجزة عن حسم حروبها وسياساتها.
السياسات الأميركية تواجه تحديات جوهرية حول قدرتها على إحداث تغييرات جوهرية وإيجابية داخل النظام العالمي، والسبب في ذلك مرتبط بشكل مباشر من معاناة أميركية من توسعها السياسي والاقتصادي والعسكري المفرط بشكل لم يعد محتملاً من المجتمع الأميركي نفسه الذي أثقلت الحروب كاهله، وخاصة أن نتائج السياسات الأميركية خلال المرحلة الماضية أصبحت عاجزة عن الالتزام للشعب الأميركي بإعادة أميركا عظيمة مرة أخرى.
السياسات الأميركية وحروبها المنتشرة في العالم تدفع أميركا إلى الوصول إلى نقطة تحول كبرى، حيث أدركت القوة الأميركية أن حسم الحروب أصبح معقدًا في ظل تقاطعات هذه الحروب مع قوى عالمية صاعدة، فمثلاً أثبتت الحرب الأميركية ضد إيران أن خيارات أميركا تضيق مع اكتشافها أنها غير قادرة على اختيار النهاية المناسبة لهذه الحرب، وأن الدور الاستراتيجي الأميركي يدخل مرحلة اختبار فعلي فيما يخص النفوذ العالمي لأميركا التي دخلت هذه الحرب ليس من أجلها بل من أجل إسرائيل التي أصبحت تثقل كاهل الشعب الأميركي، كما يقول الإعلامي الأميركي الشهير 'تاكر كارلسون'.
السؤال الآخر لفهم الواقع الأميركي وخاصة في منطقتنا يقول: هل تخلت أميركا فعلياً عن سياساتها الخارجية التي كانت تعتمد على الواقعية والبرغماتية التي أسسها الرئيس روزفلت، حيث كانت أميركا توصف ولسنوات طويلة بأنها مهد للواقعية والبرغماتية، حيث تمكنت عبر التاريخ من بناء قوتها الصناعية والعسكرية وتمددها الاستراتيجي الذي أصبح الآن يعاني من ارتباك في مفهومه، لقد أصبحت السياسة الأميركية نموذجاً لخلط الاستراتيجيات الكبرى مع الصغرى، وأصبح القرار الاستراتيجي الأميركي غير مفهوم، وخاصة عندما تربط المصالح الأميركية بالمصالح الإسرائيلية، وصول القرارات الأميركية إلى مرحلة تربط بين مصالحها الاستراتيجية وبين مصالح دولة حليفة مثل إسرائيل سيكون على حساب النجاح الاستراتيجي الأميركي الهادف إلى البقاء كقوة دولية كبرى. الضيق والانحسار الذي تمر به السياسة الأميركية ليس مؤشرًا يمكن الاعتماد عليه في صناعة القوة الأميركية، وعندما تتحول تحالفات أميركا في الشرق الأوسط وفي منطقة الخليج بشكل محدد إلى مسارات مشروطة بالتطبيع مع إسرائيل فإن ذلك يثبت أن حقبة ما بعد الحرب الباردة وأحداث سبتمبر إنما هي نموذج للاستراتيجية الأميركية العشوائية التي سوف تؤدي حتماً وبشكل مباشر في تراجع النفوذ الأميركي.
المسار السياسي الذي تتخذه واشنطن بربط تحالفاتها الكبرى في الشرق الأوسط بمصالح إسرائيل لا بد وأنه يمثل فرصة ثمينة نحو تسارع المنافسة من قوى عظمى أخرى، حيث تجد هذه القوى في السياسات الأميركية المتحيزة لطرف دون الآخرين في المنطقة الخليجية تحديداً فرصة للتدخل، وهنا تفقد أميركا قدرتها على العودة إلى استراتيجية أكثر اتزاناً في التعامل مع حلفائها في المنطقة، أميركا بهذا الانحسار خلف مصالح ثانوية في سياساتها، تفتقد فعلياً إلى واقعية رئيسها الأسطوري روزفلت الذي بنى المسار البرغماتي عبر أهداف واضحة وقابلة للتحقق وليس عبر سياسات مشروطة لصالح إسرائيل التي أصبحت تشكل عبئًا استراتيجيًا على أميركا المهددة بتفكك سياساتها الدولية.










































