اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣ أيلول ٢٠٢٦
د. خالد الشريف *
تلعب المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، والتي تُعرَّف عادةً بأنها المنشآت التي توظف أقل من 250 موظفاً، دوراً محورياً في دفع عجلة النمو الاقتصادي، وتحفيز الابتكار، وخلق فرص العمل. وفي المملكة العربية السعودية، يبدو أثر هذه المنشآت جلياً وآخذاً في التسارع؛ فوفقاً لتقرير الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت» الصادر عن ملتقى بيبان 2025، بلغ عدد السجلات التجارية النشطة 1.7 مليون سجل بحلول الربع الثالث من عام 2025، حيث توظف هذه المنشآت أكثر من 8.4 مليون موظف في مختلف أنحاء المملكة.
ينعكس هذا الزخم القوي بوضوح في إسهامها الاقتصادي، في ظل وجود مستهدف وطني يسعى إلى رفع مساهمة المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 35% بحلول عام 2030. وباعتباره ركيزة أساسية من ركائز رؤية السعودية 2030، يمثل هذا القطاع عنصراً جوهرياً في تعزيز مشاركة القطاع الخاص، وتنوّع الروافد الاقتصادية، وخلق فرص عمل مستدامة. ويسلط هذا الزخم الضوء على حجم الفرص المتاحة، كما يُبرز قوة المنظومة المتكاملة التي تم بناؤها لدعم نمو هذا القطاع.
في ضوء استمرار توسع قطاع المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، يتجه الاهتمام بشكل متزايد نحو العوامل المُمكّنة لتحقيق النمو المستدام. فاستناداً إلى القواعد المتينة القائمة بالفعل، يظل الحصول على التمويل مجال تركيز رئيسي، لا سيما مع توسع أعمال هذه المنشآت وتزايد تعقيد احتياجاتها. ومن شأن ضمان استمرار الوصول إلى التمويل المناسب أن يدعم هذه المنشآت في تحقيق كامل إمكانات نموها، والإسهام بفاعلية في الطموحات الاقتصادية للمملكة.
تعمل هذه المنشآت اليوم في بيئة حيوية ومتسارعة التغير؛ إذ إن تطور هياكل التكاليف، وتغير تطلعات العملاء، والحاجة المتزايدة إلى المرونة، كلها عوامل تشكل ملامح عمل الشركات وقدرتها التنافسية. وفي هذا السياق، يلعب الحصول على تمويل مرن ومخصص دوراً هاماً في مساعدة المنشآت على الحفاظ على زخمها واقتناص الفرص الجديدة.
ومن هذا المنطلق، تبرز الفرصة لمواصلة تطوير آليات تمويل المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة عبر تقديم حلول مالية أكثر ملاءمة للاحتياجات الفردية، وتوفير قنوات تمويل أسرع وأسهل وصولاً، إلى جانب التوسع في استخدام البيانات لجعل التقييم الائتماني أكثر شمولية. عملياً، يمكن أن يشمل ذلك تصميم هياكل تمويلية تتماشى بدقة مع التدفقات النقدية للمنشآت، وتسريع عمليات التقييم الائتماني، وتطوير نماذج سداد تحاكي واقع القطاعات المختلفة. ولا تهدف هذه التطورات إلى استبدال النماذج التقليدية، بل تسعى إلى التكامل معها لتقديم خدمات أفضل لقاعدة عملاء متنوعة ومتنامية في هذا القطاع.
يمكن لنماذج التمويل المتطورة أن تسهم بشكل فعال في سد هذه الفجوة، وتمكين المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة من الحصول على رأس المال اللازم للنمو والابتكار. في ظل بيئة عالمية تتسم بزيادة الضبابية والظروف الاقتصادية المتغيرة باستمرار، يغدو ضمان حصول هذه المنشآت على تمويل موثوق وسريع الاستجابة أمراً أساسياً لضمان استمرارية الأعمال ومواصلة نموها.
تلعب المؤسسات المالية التي تعمل على تكييف وتطوير منهجياتها لتلائم احتياجات هذه المنشآت دوراً بارزاً في دعم هذا التحول. وتأتي مبادرات مثل «باب رزق جميل»، التي أطلقتها عبداللطيف جميل للتمويل، كنموذج رائد في هذا المجال؛ حيث نجحت في دعم أكثر من 300,000 مستفيد منذ عام 2004، مما أسهم في توسيع نطاق الوصول إلى التمويل ودعم الأنشطة الريادية في مختلف أنحاء المملكة.
ويبقى التعاون المستمر بين المؤسسات المالية، والجهات التنظيمية، والأطراف الفاعلة في المنظومة الاقتصادية، الركيزة الأساسية للحفاظ على هذا التقدم وتطويره. ومن خلال البناء على مكامن القوة الحالية، يمكن للقطاع المالي توسيع نطاق الوصول إلى رأس المال، ومرافقة المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في مختلف مراحل نموها، والإسهام في رسم مشهد اقتصادي أكثر شمولاً ومرونة.
سيكون التطوير المستمر لقطاع المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة أمراً حاسماً في تعزيز مرونة وعمق الاقتصاد السعودي ككل، وذلك من خلال إضفاء مزيد من الديناميكية والتنافسية على القطاع الخاص؛ وهو ما يتماشى تماماً مع المستهدفات الأوسع لرؤية السعودية 2030.
وحققت المملكة تقدماً لافتاً في بناء منظومة حيوية وسريعة النمو للمنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة. ومع دخولها مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي، سينصب التركيز على تعزيز هذا الزخم وترجمته إلى نمو مستدام طويل الأجل. فمن خلال مواصلة تطوير نماذج التمويل لتتوافق مع الاحتياجات الواقعية لقطاع الأعمال، تقف المملكة في موقع مثالي للارتقاء بإمكانات قطاع منشآتها متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وكتابة فصل جديد من نجاحها الاقتصادي.










































