اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ أب ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
لعل أجمل ما يتعلمه الإنسان أن يتصالح مع نقصه الطبيعي.. فليس كل تعثر هزيمة، وليس كل خطأ عيبًا.. قد يكون الخطأ درسًا لا تمنحه الكتب، وقد تكون المحاولة الناقصة أثمن من مشروع كامل لم يرَ النور.. وعندما ندرك ذلك، نتوقف عن صناعة الفشل الرقيق، ونبدأ في بناء نجاح حقيقي..
كثير من مظاهر الإرهاق التي نعيشها اليوم لا تأتي من كثرة الأعمال، وإنما من عبء خفي هو السعي إلى الكمال. لم نعد نريد إنجاز الأمور فحسب، وإنما نريدها مكتملة منذ المحاولة الأولى. نريد خطوات لا تتعثر، وصورة لا يشوبها نقص، وقرارات لا يطالها الخطأ. ومن هنا يولد الفشل الرقيق، ذلك الفشل الذي يرتدي ثياب المثالية، فيبدو مقنعاً من الخارج، بينما يخفي خوفاً من البدء وتأجيلا للحياة.
الفشل الرقيق ليس أن تخفق في الوصول إلى هدف، وإنما أن تظل تؤجل السير إليه حتى يصبح مؤجلاً إلى الأبد. هو أن تنفق وقتك في تحسين الفكرة أكثر من تنفيذها، وأن تراجع النص حتى تفقد رغبتك في نشره، وأن تنتظر لحظة مثالية لا تأتي. وهو يتخفى خلف عبارات تبدو منطقية، مثل: الوقت غير مناسب، ومازلت أحتاج إلى مزيد من الإعداد. لكنه في حقيقته خوف مهذب من الخطأ، وتردد يتحدث بلغة الحرص.
لقد تحولت المثالية إلى معيار قاس نقيس به أنفسنا والآخرين. نريد عملاً بلا هفوات، وحياة دون اضطراب، وعلاقات من غير خلاف، وإنجازات لا تمر بلحظة ضعف. ومع هذا التصور المستحيل، يعيش الإنسان في سباق لا نهاية له، لأن الكمال كلما اقترب منه، ابتعد عنه خطوة أخرى. وبذلك لا يعود الهدف هو الإنجاز، وإنما مطاردة صورة جميلة لا وجود لها في الواقع.
هذا الطغيان لا يقتل الإبداع فقط، وإنما يطفئ العفوية أيضاً. فالإنسان الذي يخشى الخطأ يخاف التجربة، ومن يخاف التجربة يتردد في القرار، ويتباطأ في العمل، ويستهلك طاقته في حساب الاحتمالات بدلا من صناعة الأفعال. وهكذا تتحول الحياة إلى حسابات دقيقة، بينما تضيع فرص كثيرة لأنها لم تكن كاملة، أو لأنها جاءت في ظروف لا تشبه الصورة التي رسمناها لها.
والمثير للتأمل أن المثالية لا تجعل الإنسان أكثر نجاحاً، وقد تجعله أقل إنتاجاً. فهناك من ينجز عشرة أعمال جيدة، وآخر يقضي الفترة نفسها في محاولة إنتاج عمل واحد كامل، ثم لا ينجزه. الأول تقدم لأنه قبل بالنقص الطبيعي في البدايات، والثاني بقي في مكانه لأنه انتظر شروطاً لا تتحقق إلا في الخيال. وبين عمل ناقص يرى النور، وعمل كامل يظل حبيس الذهن، تكون القيمة لما وجد طريقه إلى الحياة.
إن كثيراً من الإنجازات الكبرى لم تولد مكتملة، وإنما نضجت مع الزمن. فالكتاب الأول لأي مؤلف ليس أفضل كتبه، والمشروع الناجح لم يبدأ بأفضل نسخة من فكرته، والباحث لا يصل إلى اكتشافه من أول محاولة. الحياة تعلمنا أن النمو عملية تراكمية، وأن الإتقان ثمرة للتكرار، لا شرط يسبق البداية. والإصرار على الكمال منذ الخطوة الأولى يشبه من يرفض زرع البذرة لأنها لم تصبح شجرة بعد.
والمفارقة أن الإنسان عندما يتحرر من وهم المثالية، يصبح أقرب إلى الإتقان. فالذي يسمح لنفسه بالتعلم من الخطأ يتطور أسرع ممن يخشاه، والذي يقبل بالنقص المؤقت يصل إلى جودة ثابتة. أما الذي يريد كل شيء كاملاً، فإنه ينتهي غالباً بلا شيء مكتمل. فالكمال الذي يعطل الحركة ليس فضيلة، والدقة التي تمنع الإنجاز ليست قوة.
الفشل الرقيق هادئ ومنظم ومقنع. يجلس خلف المكاتب المرتبة، والملفات المصنفة، والخطط المؤجلة، والقوائم التي لا تنتهي. يبدو صاحبه منشغلاً، لكنه يدور حول نقطة واحدة. يتحرك كثيراً، ولا يتقدم إلا قليلاً، لأن جهده يذهب إلى تحسين البداية بدلا من خوض الرحلة. وقد تمضي أعوام وهو يستعد لخطوة كان يستطيع أن يبدأها منذ اليوم الأول.
ربما نحتاج إلى إعادة تعريف النجاح. فالنجاح ليس أن تخلو حياتنا من الأخطاء، وإنما أن نجعل أخطاءنا جسوراً إلى مستوى أفضل. وليس أن نقدم عملاً كاملاً، وإنما عمل صادق يتطور مع كل تجربة. فالحياة لا تكافئ الأكثر اكتمالاً، وإنما تمنح فرصها للأكثر استمراراً، لأن الزمن يقف مع الذين يبدؤون ويتعلمون ويصححون، لا مع الذين ينتظرون.
ويبقى القول: لعل أجمل ما يتعلمه الإنسان أن يتصالح مع نقصه الطبيعي. فليس كل تعثر هزيمة، وليس كل خطأ عيباً. قد يكون الخطأ درساً لا تمنحه الكتب، وقد تكون المحاولة الناقصة أثمن من مشروع كامل لم يرَ النور. وعندما ندرك ذلك، نتوقف عن صناعة الفشل الرقيق، ونبدأ في بناء نجاح حقيقي يقوم على شجاعة البداية، ومرونة التعلم، والإيمان بأن الحياة لا تطلب منا أن نكون كاملين، وإنما حاضرون فيها، لأن نقصنا يجعل إنسانيتنا صادقة، وإنجازاتنا ممكنة.










































