اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أيلول ٢٠٢٦
نوال الجبر
تتجه وجوه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها نحو مكة المكرمة كل يوم، وتلتقي عند الكعبة المشرفة قلوب أمة يتجاوز عددها ملياري مسلم، لتبقى هذه البقعة المقدسة في الوجدان الإسلامي موطنًا للأمن والسكينة، ومكانًا تسمو حرمته فوق الصراعات والحسابات السياسية والعسكرية.
وحين توجه ميليشيا الحوثي صواريخها نحو منطقة مكة المكرمة، فإن الحدث يكتسب أبعادًا تتجاوز الاعتداء على أراضي المملكة، ويمتد أثره إلى مكانة قبلة المسلمين وقدسية الحرم وأمن الملايين الذين يقصدونه للحج والعمرة والصلاة. فمكة تحمل قيمة دينية عالمية، وحمايتها أمانة تضطلع بها المملكة بكل ما تملكه من قدرات وإمكانات، مستندة إلى تاريخ طويل في خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما.
وقد أثبتت المملكة قدرتها على حماية مقدسات المسلمين والتصدي للتهديدات التي تستهدف أراضيها، فيما تضع محاولات استهداف منطقة مكة العالم الإسلامي والمجتمع الدولي أمام مسؤولية واضحة تجاه انتشار الصواريخ والأسلحة المتقدمة في أيدي الجماعات المسلحة، وتجاه شبكات الإمداد والتهريب التي تمنحها القدرة على نقل الصراع من ساحاته إلى مدن ومقدسات يفترض أن تبقى بمنأى عن أدوات الحرب.
إن أمن مكة المكرمة يتجاوز حدود المكان إلى معنى راسخ في التاريخ الإسلامي، جسدته دعوة إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا)، واستمرت المملكة في حمل هذه الأمانة عبر منظومة واسعة من الأمن والرعاية والخدمة، لتظل مكة مقصدًا يأتيه المسلم مطمئنًا إلى عبادته وسلامته، ويجد في رحابها المعنى الذي اقترنت به هذه الأرض منذ أقدم العصور: الأمن في أقدس بقاع الأرض.
وتكشف الصواريخ الحوثية أن حماية المقدسات في زمن الحروب الحديثة تبدأ كذلك من مواجهة مصادر التهديد قبل وصولها، وتجفيف طرق تهريب الأسلحة، وتطبيق القرارات الدولية المتعلقة بحظر التسليح، وتعزيز أمن المنطقة بما يمنع الجماعات المسلحة من امتلاك قدرات تستطيع من خلالها تهديد المدن والمقدسات والممرات الحيوية.
وتتضاعف خطورة هذا الاستهداف حين تصبح الصواريخ والطائرات المسيرة أدوات عابرة للحدود في أيدي جماعات مسلحة، قادرة على نقل التوتر من ساحات المواجهة إلى المدن والمقدسات والممرات الحيوية. ومن هنا تتسع المسؤولية الدولية في مواجهة تدفقات السلاح وتقنياته، وتجفيف مسارات التهريب، وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، بما يحول دون تحويل المنطقة إلى فضاء مفتوح للتهديد، ويحفظ للدول سيادتها وللمدنيين أمنهم وللمقدسات حرمتها.
مكة المكرمة قبلة المسلمين، وفي مكانتها تختصر المملكة معنى مسؤوليتها التاريخية، وفي أمنها تتجسد أمانة حملتها الدولة السعودية ورعتها جيلًا بعد جيل. وستظل حماية مكة وصون حرمتها مسؤولية وطنية راسخة، وقضية تتجاوز الجغرافيا إلى وجدان المسلمين في أنحاء العالم؛ فحين يكون المستهدف قبلة أمة، يصبح أمن المكان أمانة بحجم مكانته وقدسيته.










































