اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٩ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - من يتابع حركة الأردن السياسية خلال الأسابيع الأخيرة يرى دولة تتحرك على مساحة دبلوماسية واسعة؛ لقاءات واتصالات مع قادة دول، حضور مكثف في اجتماعات الأمم المتحدة، تحذير من اتساع الصراع، دفاع عن الحقوق الفلسطينية، متابعة لما يجري في سوريا ولبنان، وتشديد واضح على حماية الحدود والأمن المائي والسيادة الأردنية. وفي نيويورك وحدها، عقد جلالة الملك عبدالله الثاني سلسلة لقاءات مع قادة ومسؤولين دوليين، واضعاً أمن الدول العربية واستقرار المنطقة وفلسطين وسوريا ولبنان ضمن الملفات الرئيسية للحركة الأردنية. وكالة الانباء الاردنية
لكن على بعد آلاف الكيلومترات من قاعات نيويورك، توجد صورة أخرى لا تقل أهمية.
هناك مواطن أردني يستيقظ صباحاً ولا يبدأ يومه بالسؤال عما حدث في اجتماع دولي، بل بما تبقى من راتبه، وفرصة العمل التي يبحث عنها ابنه، وقسط الجامعة، وفاتورة البيت، وسعر الوقود، والخدمة التي يحتاج إليها، والمستقبل الذي يريد أن يشعر بأنه أصبح أقرب.
وهاتان الصورتان ليستا متناقضتين.
إنهما المشهد الأردني نفسه.
وهنا تحديداً تكمن صعوبة المرحلة: الأردن يحتاج إلى دبلوماسية قوية تحميه من اضطرابات الخارج، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى سياسة داخلية تجعل المواطن يشعر بأن الاستقرار الذي تدافع عنه الدولة في الخارج ينتج حياة أفضل في الداخل.
الدبلوماسية الملكية تتحرك في مساحة شديدة التعقيد
المهمة الأردنية في الخارج ليست سهلة.
غرب المملكة قضية فلسطينية تدخل مرحلة شديدة الخطورة مع استمرار الضغوط على غزة والتطورات في الضفة الغربية والقدس. شمالاً هناك سوريا وما يرتبط بها من حدود ومياه وأمن واستقرار. وفي الإقليم الأوسع تتداخل صراعات ومصالح دولية وإقليمية تجعل هامش الخطأ مكلفاً بالنسبة لدولة بموقع الأردن وإمكاناته.
ولهذا تبدو الحركة الملكية في جانب مهم منها محاولة لمنع أزمات المنطقة من التحول إلى أخطار مباشرة على المملكة.
الملك أكد خلال اجتماعات نيويورك ضرورة وقف التصعيد وضمان أمن الدول العربية، كما شدد في اجتماع متعدد الأطراف على أن التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا تمثل تهديداً مباشراً للأمن الوطني الأردني. وكالة الانباء الاردنية
وفي الملف الفلسطيني، بقي الموقف الأردني متمسكاً بأن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق من دون حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة وقيام دولتهم المستقلة على أساس حل الدولتين. RHC
هذه ليست دبلوماسية علاقات عامة.
بالنسبة للأردن، ما يحدث حوله يرتبط مباشرة بأمنه وحدوده ومياهه واقتصاده.
لكن نجاح الخارج يخلق سؤالاً أكبر في الداخل
عندما تستطيع الدولة أن تحافظ على علاقاتها مع واشنطن وأوروبا والدول العربية، وأن يكون ملكها حاضراً في النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة، فإن ذلك يمثل رصيداً سياسياً مهماً.
لكن السؤال الطبيعي هو: كيف نحول هذا الرصيد السياسي إلى رصيد اقتصادي ومعيشي؟
هذه ربما الحلقة التي يجب أن تصبح أكثر حضوراً في المرحلة المقبلة.
كل زيارة ملكية يجب أن تفتح باباً اقتصادياً.
وكل علاقة استراتيجية يجب أن نبحث داخلها عن استثمار.
وكل شراكة دولية يجب أن نسأل عن أثرها على التجارة والتكنولوجيا والتعليم والطاقة وفرص العمل.
ليس لأن السياسة الخارجية يجب أن تتحول إلى تجارة فقط، وإنما لأن قوة العلاقة السياسية تستطيع أن تفتح أبواباً لا يستطيع القطاع الاقتصادي فتحها بمفرده.
واللقاء الملكي الأخير مع رئيس المجلس الأوروبي، مثلاً، تناول تطوير الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، بالتزامن مع استعداد الأردن لاستضافة مؤتمر استثماري أردني أوروبي في تشرين الثاني. وكالة الانباء الاردنية
هنا تحديداً يجب أن يلتقي المساران.
الدبلوماسية تفتح الباب، والاقتصاد يجب أن يدخل منه.
المواطن يريد أن يرى العائد
المواطن الأردني يعتز بمواقف بلده الخارجية، وخصوصاً عندما تتعلق بفلسطين والقدس وحماية الأردن وسيادته، لكنه في الوقت نفسه يريد أن يشعر بأن قوة الدولة السياسية تنعكس على قدرته الاقتصادية.
وهذا ليس طلباً متناقضاً.
فالسياسة الخارجية في النهاية إحدى أدوات خدمة المصلحة الوطنية.
إذا كانت لدينا علاقات قوية مع أوروبا، نريد استثمارات أوروبية.
إذا كانت لدينا علاقات قوية مع الخليج، نريد مشاريع وفرصاً وأسواقاً للمنتج الأردني.
إذا كانت علاقتنا مع العراق تتطور، نريد أن يشعر بها المصنع والناقل والتاجر الأردني.
وإذا بدأت سوريا تستعيد نشاطها الاقتصادي، نريد أن يكون الأردن مستعداً للاستفادة من التجارة والنقل والخدمات وإعادة الإعمار.
وقد بحث الملك أخيراً مع رئيس الوزراء العراقي تعزيز التعاون في الطاقة والاقتصاد والاستثمار، وهي بالضبط المساحة التي يمكن فيها ترجمة العلاقة السياسية إلى منفعة اقتصادية مشتركة. وكالة الانباء الاردنية
لأن الداخل ليس بلا ضغوط
لا ينبغي أن نجمل الصورة أكثر مما تحتمل.
هناك تحديات اقتصادية حقيقية.
فوفق أحدث بيانات دائرة الإحصاءات العامة، بلغ معدل البطالة بين الأردنيين 21 في المئة خلال الربع الثاني من عام 2026، رغم انخفاضه مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. Dos Web
وهذا الرقم وحده يكفي لكي نفهم لماذا لا يستطيع النقاش الوطني أن يبقى في السياسة الخارجية مهما بلغت أهميتها.
وراء نسبة البطالة شباب.
وخلف كل شاب أسرة.
ومع كل سنة انتظار تتغير نظرة الإنسان إلى مستقبله.
ولهذا فإن حماية الجبهة الداخلية لا تبدأ فقط من مواجهة الأخطار الأمنية أو مكافحة الشائعة أو رفع مستوى الوعي، وإنما من شيء أكثر مباشرة: أن يرى الإنسان مكاناً له داخل مستقبل بلده.
الوظيفة جزء من الأمن الوطني.
والدخل جزء من الاستقرار.
والتعليم الجيد جزء من المنعة.
والماء جزء من السيادة.
والثقة بالمؤسسات جزء من قدرة الدولة على مواجهة الأزمات.
هنا تصبح الحكومة في قلب المعادلة
الملك يستطيع أن يفتح للأردن أبواب العواصم.
الدبلوماسية تستطيع بناء الشراكات.
والسياسة الخارجية تستطيع حماية مساحة الحركة الأردنية.
لكن تحويل ذلك كله إلى نتيجة داخلية يقع بدرجة كبيرة على المؤسسات التنفيذية والقطاع الخاص.
وهنا يأتي دور الحكومة.
المطلوب منها أن تكون حلقة الوصل بين حركة الملك في الخارج وحياة المواطن في الداخل.
إذا عاد الوفد الأردني باتفاق اقتصادي، من يتابعه؟
إذا أبدى مستثمر اهتماماً، كم يحتاج حتى يبدأ؟
إذا فتحت دولة سوقاً جديدة، هل يعرف المصدر الأردني كيف يدخل إليها؟
إذا تم الاتفاق على مشروع، متى يبدأ؟
وكم أردنياً سيعمل فيه؟
هذه التفاصيل هي التي تحدد في النهاية ما إذا كانت الدبلوماسية الاقتصادية ستتحول إلى خبر في الأرشيف أم إلى مصنع على الأرض.
المشكلة ليست أن المواطن لا يفهم ظروف الدولة
الأردني عاش لعقود وسط أزمات المنطقة، وهو يعرف أن بلده لا يتحرك في بيئة سهلة.
وعاش آثار الأزمة السورية.
ورأى تداعيات الحروب في غزة.
ويفهم حساسية المياه والطاقة والحدود واللاجئين.
لكن تفهم الظروف لا يعني أن المواطن يستطيع تعليق احتياجاته.
وهنا يجب أن تكون الرسالة الحكومية مختلفة.
لا نقول للناس فقط إن الظروف صعبة.
نقول لهم: هذه الظروف صعبة، وهذا ما نفعله رغم صعوبتها.
هناك فارق كبير بين الخطابين.
الأول يفسر المشكلة.
والثاني يصنع الأمل.
الدبلوماسية تحمي المساحة.. والداخل يجب أن يملأها
ربما هذه هي المعادلة التي يجب أن تحكم المرحلة الأردنية المقبلة.
الدبلوماسية الملكية تعمل لكي يبقى الأردن آمناً وحاضراً ومسموعاً، ولكي تحمى مصالحه وسط إعادة تشكيل واسعة للمنطقة.
لكن الحفاظ على هذه المساحة وحده لا يكفي.
يجب أن نملأها باقتصاد أقوى.
بإدارة أكثر كفاءة.
بمياه أكثر أمناً.
بتعليم يرتبط بسوق العمل.
بقطاع خاص قادر على التوسع.
وبمواطن يشعر أن مستقبله يتحسن.
فالسياسة الخارجية الناجحة تمنع الآخرين من صناعة مستقبل الأردن نيابة عنه.
أما السياسة الداخلية الناجحة فهي التي تجعل الأردنيين أنفسهم قادرين على صناعة ذلك المستقبل.
هناك فرصة في هذه اللحظة أيضاً
ليس المشهد كله تهديدات.
الأردن يمتلك شيئاً تزداد قيمته كلما اضطربت المنطقة: الاستقرار والعلاقات والقدرة على التواصل مع أطراف متعددة.
هذه عناصر يمكن أن تصبح ميزة اقتصادية.
المستثمر الذي ينظر إلى الشرق الأوسط يبحث عن دولة يستطيع أن يعمل منها.
الشركة الدولية تبحث عن بيئة قانونية مستقرة.
التجارة تبحث عن ممر موثوق.
والعواصم الكبرى تبحث عن شركاء يمكن الاعتماد عليهم.
وهنا يستطيع الأردن أن يقول: إذا كان الاستقرار الذي بنيناه له قيمة سياسية، فيجب أن تكون له قيمة اقتصادية أيضاً.
لا نريد أن نكون فقط الدولة التي يلجأ إليها الآخرون عندما تقع الأزمة.
نريد أن نكون الدولة التي يأتون إليها أيضاً عندما يبحثون عن الاستثمار والعمل والتكنولوجيا والتعليم والخدمات.
المرحلة تحتاج إلى توازن دقيق
ليس مطلوباً أن تتراجع الدبلوماسية حتى نتفرغ للاقتصاد.
ولا أن نغرق في الملفات الداخلية وننسى ما يجري حولنا.
العكس تماماً.
الأردن يحتاج إلى أقصى نشاط خارجي وأقصى جدية داخلية في الوقت نفسه.
فالمرحلة لا تمنحنا ترف الاختيار.
ويمكن تلخيص المعادلة ببساطة: الملك يتحرك لمنع النار من الوصول إلى الأردن، والحكومة مطالبة بأن تجعل الحياة داخله أفضل.
الأولى تحمي الدولة من الخارج.
والثانية تعززها من الداخل.
وعندما ينجح المساران معاً، تصبح المملكة أكثر قدرة على مواجهة ما قد يأتي.
الأردن لا يحتاج فقط إلى عبور المرحلة
الأردن أثبت مرات كثيرة أنه قادر على عبور المراحل الصعبة.
لكن الطموح اليوم يجب أن يكون أكبر من العبور.
السؤال ليس كيف نخرج من هذه الأزمة سالمين فقط، وإنما: كيف نخرج منها أقوى؟
كيف نستفيد من علاقاتنا؟
كيف نحول موقعنا إلى تجارة؟
كيف نحول الاستقرار إلى استثمار؟
كيف نحول الدبلوماسية إلى فرص؟
وكيف يشعر المواطن في النهاية أن موقع الأردن الدولي ليس صورة جميلة يراها على شاشة التلفاز، وإنما قوة تعود عليه وعلى أسرته ومستقبل أبنائه؟
هنا فقط تكتمل الصورة.
فنجاح الأردن في الخارج مهم، وحماية حدوده ومياهه وسيادته أولوية لا نقاش فيها. لكن قوة الدولة في النهاية تُختبر أيضاً في الداخل؛ في قدرة المواطن على العمل، وفي مستوى معيشته، وفي ثقته بأن الغد يحمل فرصة أفضل.
ولهذا فإن قراءة المشهد الأردني اليوم لا يمكن أن تتم من نيويورك وحدها، ولا من عمّان وحدها.
يجب أن ننظر إلى الصورتين معاً.
دبلوماسية ملكية تحاول أن تحمي موقع الأردن ومصالحه في إقليم يعاد تشكيله، وواقع داخلي يطالب بأن تتحول قوة هذا الموقع إلى نتائج أسرع وأكثر وضوحاً في حياة الأردنيين.
وهنا يقع التحدي الحقيقي للمرحلة:
أن يبقى صوت الأردن قوياً في الخارج.. وأن يشعر المواطن بقوة الأردن في الداخل أيضاً.












































