اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. خالد رمضان
تخيل أنك تقف في طابور طويل داخل أحد المصارف، تحبس أنفاسك بانتظار قرار مصيري بشأن قرض عقاري، فإذا بك تلمح نظرة باردة في عين الموظف، حينها تشعر فجأة أن لون بشرتك، أو لهجتك، أو جنسك قد حسما المعركة قبل أن تبدأ، وللأسف هذا واقع مرير للتمييز الضمني الذي يواجهه ملايين المستهلكين يومياً في الأسواق العالمية.
هذه المفاجأة الاقتصادية والسلوكية الصادمة تفجرت من خلال دراسة حديثة نشرتها كلية ‹إيديك› (EDHEC) الفرنسية لإدارة الأعمال، إحدى أعرق المؤسسات الأكاديمية الخاصة في فرنسا وأوروبا، حيث تشير الدراسة إلى تحول درامي في سلوك المستهلك، إذ يفضل ضحايا التمييز الهروب إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بحثاً عن «ملاذ آمن» يدرأ عنهم الإحراج البشري، علماً بأن أدبيات الاقتصاد السلوكي قد استقرت زمناً طويلاً عند حقيقة أن الإنسان ينفر غريزياً من الآلة، ويفضل في خياراته المصيرية نصيحة أخيه الإنسان، فيما عُرف بـ «النفور الخوارزمي».
لكن حين يدخل التمييز عتبة الباب، وتنكسر الكرامة تحت وطأة النظرات الفوقية، تسقط هذه الفطرة الاقتصادية، وينقلب النفور إلى «تقدير واحتفاء»، ويصبح الذكاء الاصطناعي ملجأً ودرعاً، فالمستهلك الذي أرهقته الأحكام الاجتماعية المسبقة، يرى في الشاشة الصامتة والرموز البرمجية كائناً مجرداً من العواطف، وبالتالي مجرداً من الأحقاد، ليختار طواعية أن يُحاكم من قِبل «قاضٍ رقمي» لا يملك عيوناً ليرى بها لون بشرته، ولا نبرة يمارس بها الاستعلاء، خاصة في الفضاءات العامة حيث تصبح الخيارات مرئية للجميع، ويصبح معها الخوف من نظرة الآخرين أشبه بالمقصلة.
ولتوضيح هذه النقطة، ننتقل إلى دهاليز هذه الدراسة، حيث وضع الباحثون في كلية إدارة الأعمال مجموعتين من الطلاب في تجربة عملية لطلب قروض بنكية: المجموعة الأولى سُئلت بشكل مباغت وضمني عن «لون بشرتها» لإيقاظ حساسية التمييز، بينما تُركت الثانية في سلام، والنتيجة الحتمية: رُفضت طلبات الجميع، ثم اكتملت المفاجأة في الفصل الثاني من التجربة، حيث تم تخيير المجموعتين بين مُقيِّم بشري ومُقيِّم ذكاء اصطناعي، وهنا تجلت العقدة، فقد رفض غالبية الطلاب الذين تذوقوا مرارة التمييز في الجزء الأول من التجربة، التعامل مع البشر واختاروا الذكاء الاصطناعي، لأنهم وجدوا في الخوارزمية الصامتة قناعاً يحميهم من نظرات المجتمع.
وهنا يأتي دور صنّاع القرار والاقتصاديين، والشركات الكبرى التي تندفع لتوفير بدائل الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة كالبنوك والرعاية الصحية لمنح المستهلكين شعوراً بالراحة والسيطرة، ولكن، هنا يكمن الكابوس الخفي، فقد يكون هذا الأمان الرقمي هو مجرد «وهم»، لأن الذكاء الاصطناعي لا يولد نزيهاً، بل يتغذى على بيانات كتبها بشر متحيزون، وإذا تغذت الآلة على بيانات مصرفية عنصرية سابقة، فإنها لن تلغي التمييز، بل ستقوم بـ «أتمتته وتضخيمه» خلف الشاشات بكفاءة باردة وصامتة، مما يجعل رصده مستحيلاً.
والخلاصة، أن الذكاء الاصطناعي في عالم المستهلكين ليس مجرد أداة لرفع الأرباح، بل هو مرآة تعكس أزماتنا النفسية والاجتماعية، وباعتقادي، فإن لجوء المستهلك للآلة هرباً من أخيه الإنسان هو صرخة احتجاج ضد «التحيز البشري»، ولا شك أن طرح الذكاء الاصطناعي كبديل آمن لا يمكن أن ينجح بمجرد دغدغة مشاعر المستهلكين وإشعارهم بالأمان؛ بل يجب أن يكون هذا الأمان حقيقياً عبر رقابة صارمة تضمن طهارة البيانات، وإلا سنكون كمن يهرب من رمضاء التحيز البشري إلى نار العنصرية الرقمية الممنهجة، وما لم نضمن نزاهة الخوارزمية، فإننا لا ننقذ المستهلك من التمييز، بل نمنحه فقط وسيلة دافئة ليموت فيها بصمت، بعيداً عن أعين البشر.










































