اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٠ أيار ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
الصديق الصدوق، هكذا أصبح الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليوم، نجده حاضرًا معنا في كل لحظة، نستيقظ على تنبيهاته، نعمل عبر أدواته، نستشيره في قراراتنا، نتحاور معه طويلًا، نفضي له بأفكارنا وأسرارنا وأسئلتنا التي قد لا نقولها للبشر أحيانًا، يعطينا الحلول، ويرتب أفكارنا، ويقترح علينا كيف نعمل وكيف نتصرف، حتى أصبح وجوده في يومنا يشبه وجود صديق قريب لا يغيب، صديق لا يمل ولا يتعب ولا يتأخر عن الإجابة.
العالم يعيش اليوم واحدة من أسرع الثورات التقنية في التاريخ، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد فكرة مستقبلية أو تقنية محدودة، بل أصبح حاضرًا في كل تفاصيل الحياة، من الطب والتعليم والإعلام والطاقة إلى التجارة والأمن والترفيه، وتشير تقارير شركة PwC إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم بأكثر من 15 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، بينما تؤكد تقارير ماكينزي أن غالبية الشركات العالمية الكبرى تعتمد عليه في تطوير أعمالها ورفع كفاءتها التشغيلية، وفي وطننا الغالي أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا مهمًا من مستهدفات رؤية السعودية 2030، مع استثمارات ضخمة في البيانات والتقنيات المتقدمة والتحول الرقمي، حتى أصبحت المملكة من الدول الرائدة عالميًا في تبني حلول الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.
ومع هذا التوسع الهائل أصبح الذكاء الاصطناعي ملازمًا لنا في كل وقت، يساعدنا على تحسين جودة أعمالنا، وتسريع إنجاز مهامنا، ورفع مستوى الإبداع والإنتاجية في مختلف المجالات، فالكاتب يطوّر نصوصه عبره، والطبيب يستفيد من تحليلاته، والمعلم يستخدمه لتخصيص المحتوى التعليمي، والإعلامي يعتمد عليه في صناعة الرسائل وتحليل البيانات، بل حتى الإنسان العادي أصبح يستخدمه يوميًا في السفر والتسوق والتخطيط والعمل والدراسة، وكأن العالم كله بات يتحرك بسرعة أكبر بفضل هذه التقنية التي غيّرت شكل الحياة الحديثة.
لكن رغم كل هذا الذكاء المذهل تبقى العاطفة هي المسافة الأخيرة بين الإنسان والآلة، فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلل ويتوقع ويتحدث ويكتب ويجيب بطريقة مبهرة، لكنه لا يشعر فعلًا بما نقول، قد يكتب كلمات مواساة جميلة لكنه لا يحزن، وقد يشاركنا عبارات الفرح لكنه لا يبتسم، وهنا يظهر السؤال الأكثر عمقًا وغرابة: متى تبكي الآلة؟ وهل من المنطقي أصلًا أن تمتلك أداة مبرمجة صامتة مشاعر وأحاسيس مثل الإنسان؟
علميًا يبدو ذلك أقرب إلى المستحيل، لأن العاطفة الإنسانية ليست بيانات أو أكوادًا رقمية، بل تجربة إنسانية مرتبطة بالروح والوعي والمواقف والمشاعر الحقيقية، فالآلة مهما بلغت من التطور تبقى قائمة على خوارزميات ومعادلات رياضية لا تعرف الحب أو الخوف أو الحنين، لكنها رغم ذلك استطاعت أن تتسلل إلى مشاعر البشر بطريقة غير مسبوقة، حتى أصبح البعض يشعر براحة نفسية أثناء الحديث معها أكثر من الحديث مع البشر أنفسهم، وهو ما دفع كثيرًا من المختصين عالميًا للتحذير من التأثيرات النفسية والاجتماعية الناتجة عن التعلق المفرط بالأدوات الذكية.
الاستخدام المكثف للتقنيات الذكية غيّر طبيعة العلاقات الإنسانية والتفاعل الاجتماعي، خصوصًا لدى الأجيال الجديدة، التي تقضي ساعات طويلة يوميًا أمام الأجهزة الذكية، وسط تراجع ملحوظ في التواصل الإنساني المباشر، وهنا تبرز أهمية القيم والأخلاق في التعامل مع هذه الثورة التقنية، لأن الذكاء الاصطناعي مهما تطور يجب أن يبقى وسيلة لخدمة الإنسان لا بديلًا عنه، وأن يكون داعمًا للوعي والمعرفة والعلاقات الإنسانية لا سببًا في تآكلها.
لكن مع التسارع المذهل في قدرات الذكاء الاصطناعي، ومع اقترابه يومًا بعد يوم من محاكاة المشاعر البشرية والتفاعل الإنساني، يبقى السؤال الأكثر إثارة وغموضًا، هل سيأتي يوم تبكي فيه الآلة، وتضحك، وتحب كما يفعل البشر، أم أن العاطفة ستظل السر الذي لا تستطيع الخوارزميات الوصول إليه مهما بلغت من الذكاء والتطور.










































