اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ٧ أيلول ٢٠٢٦
في منطقة عرفت منذ القدم بتدفق أوديتها خلال مواسم الأمطار، لم يكن التحدي يقتصر على وصول المياه، بل امتد إلى القدرة على الاحتفاظ بها وإدارتها والاستفادة منها. ومن هذا الاحتياج جاءت فكرة سد وادي جازان، الذي أعاد صياغة العلاقة بين مياه السيول والأرض، وحوّل المورد الموسمي إلى رافد للتنمية الزراعية والمائية في المنطقة.
ومنذ اكتماله، أسهم السد في تنظيم مياه الوادي والحد من أخطار السيول، وتوفير المياه اللازمة للري، وتعزيز الاستفادة من الموارد المائية، ليصبح مع مرور السنوات أحد المكونات الرئيسة لمنظومة المياه والتنمية الزراعية في جازان.
مشروع بدأ في ستينيات القرن الماضي
تعود جذور المشروع إلى ستينيات القرن الماضي، عندما بدأت الدراسات لتطوير وادي جازان والاستفادة من موارده المائية، قبل أن يبدأ تنفيذ السد عام 1967م، ويفتتح عام 1971م، ضمن مشروع أوسع لتنمية الزراعة وإيصال المياه إلى الأراضي المستفيدة.
ويعكس تصميم السد حجم المشروع الذي أُنشئ قبل أكثر من خمسة عقود؛ إذ يبلغ طوله 316 مترًا، وارتفاعه 37.80 مترًا، فيما يصل ارتفاع المفيض إلى 32.20 مترًا، وتبلغ سعته التخزينية 54.2 مليون متر مكعب.
وتواصل هذه المنشأة أداء دورها في حجز مياه السيول وتنظيم الاستفادة منها، بما يدعم إدارة الموارد المائية في الوادي ويحد من مخاطر التدفقات الموسمية.
من تخزين المياه إلى دعم الزراعة
لم تقتصر أهمية السد على تخزين المياه، إذ ارتبط منذ إنشائه بمنظومة الري التي أسهمت في دعم النشاط الزراعي في وادي جازان، والاستفادة من المياه في ري الأراضي الزراعية، إلى جانب دوره في تعزيز تغذية المياه الجوفية.
وبذلك أصبحت إدارة مياه الوادي جزءًا من دورة تنموية متكاملة تمتد آثارها إلى الأرض والإنتاج الزراعي والمجتمعات المستفيدة، بدلًا من اقتصار الاستفادة من مياه الأمطار والسيول على موسم هطولها.
ومع امتداد عمر السد، تتواصل أعمال المحافظة على كفاءته وتعزيز قدرته على أداء وظائفه، إذ تشهد منشأته حاليًا تنفيذ عدد من المشروعات التي تستهدف ترميم وتأهيل ورفع كفاءة السد، وإزالة الرسوبيات من بحيرته، إلى جانب تشغيله وصيانته.
116.524 مليون ريال لمشروعات التأهيل والصيانة
تبلغ التكلفة الإجمالية لهذه المشروعات نحو 116.524 مليون ريال، موزعة بين مشروع ترميم وتأهيل ورفع كفاءة السد بتكلفة 15.137 مليون ريال، ومشروع إزالة الرسوبيات من بحيرة السد بتكلفة 85.302 مليون ريال، ومشروع تشغيل وصيانة السد بتكلفة 16.085 مليون ريال.
وتكتسب أعمال إزالة الرسوبيات أهمية خاصة في الحفاظ على كفاءة البحيرة التخزينية، إذ تمثل الرسوبيات المتراكمة بمرور الزمن أحد العوامل المؤثرة في الطاقة الاستيعابية للخزانات.
كما تسهم أعمال التأهيل والصيانة في المحافظة على مكونات السد والمنشآت المرتبطة به، ورفع جاهزيتها للتعامل مع تدفقات المياه، بما يعزز استدامة وظائف المنشأة على المدى الطويل.
أثر يتجاوز المياه والزراعة
لا تقف قصة سد وادي جازان عند لحظة إنشائه أو حجم المياه التي يحتجزها، بل تمتد إلى دورة مستمرة من البناء والتشغيل والصيانة والتأهيل. فالسد الذي شُيد للاستفادة من مياه السيول وحماية الوادي، تواصلت العناية به لضمان استمرار أثره التنموي للأجيال المقبلة.
وأحدثت بحيرة السد مع مرور الوقت مشهدًا بيئيًا مختلفًا في محيطها، أسهم في نمو النباتات وتوفير موائل للكائنات والطيور، لتتسع دائرة أثر المنشأة من الجانب المائي والزراعي إلى أبعاد بيئية وجمالية.
وتجسد هذه التحولات قدرة مشروعات المياه على صناعة آثار تتجاوز أهدافها الأساسية، إذ يمكن للمنشأة المائية أن تصبح جزءًا من البيئة المحيطة بها، إلى جانب أدوارها في التخزين والحماية والري.
نموذج مبكر لإدارة الموارد الطبيعية
وفي جازان، حيث تتجاور الجبال والأودية والسهول الزراعية والسواحل، تبدو قصة سد وادي جازان نموذجًا مبكرًا لإدارة الموارد الطبيعية وفق رؤية تنموية؛ فالمياه التي كانت تجري في الوادي موسميًا أصبحت موردًا يخضع للتخزين والتنظيم والاستثمار.
ومع مرور الوقت، تحولت المنشأة إلى جزء من ذاكرة التنمية الزراعية والمائية في المنطقة، بعدما ارتبطت بوظائف متعددة تشمل حماية الوادي، وتوفير المياه للري، وتعزيز تغذية المياه الجوفية، والمحافظة على الموارد الطبيعية.
وبعد أكثر من خمسة عقود على افتتاحه، يواصل السد أداء دوره من خلال منظومة تجمع التخزين والحماية والري والصيانة والتأهيل، لتبقى حكايته مرتبطة بالماء الذي يبدأ رحلته من السماء، ويمر عبر الوادي والبحيرة، ثم يصل أثره إلى الأرض والإنسان؛ في واحدة من قصص التنمية التي صنعتها إدارة المياه في المملكة.










































