اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ حزيران ٢٠٢٦
أ.د. فهد مطلق العتيبي
لقد سعى الإنسان منذ وعيه إلى أن يُرى ويُذكر ويُعترف به. لذلك فحب الظهور ليس ظاهرة ولدت مع وسائل التواصل الاجتماعي، بل هو نزعة إنسانية قديمة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما نراه من تصوير للجثث، والقبور، والحوادث، والمرضى في غرف العمليات، وضحايا الحرائق والكوارث، هو امتداد طبيعي لهذه النزعة أم انحراف عنها؟
لقد تناول الفلاسفة هذه القضية منذ القدم. فقد رأى الفيلسوف اليوناني أرسطو أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وأنه يحتاج إلى تقدير الآخرين واعترافهم به. بينما اعتبر توماس هوبز أن الرغبة في المكانة والتفوق على الآخرين جزء من الدوافع الأساسية للسلوك البشري. أما فريدريك نيتشه فربط ذلك بما أسماه «إرادة القوة»، أي سعي الإنسان إلى التأثير والحضور والهيمنة الرمزية. وفي علم النفس، وضع أبراهام ماسلو الحاجة إلى التقدير والاعتراف ضمن الحاجات الإنسانية الأساسية. فالإنسان يرغب في أن يشعر أنه مهم ومؤثر. لكن هذه الحاجة قد تتحول إلى هوس عندما تصبح الشهرة غاية في ذاتها لا وسيلة لتحقيق قيمة أو إنجاز.
لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي طبيعة هذه النزعة. ففي الماضي كان الاعتراف الاجتماعي محدوداً بدائرة الأسرة أو المجتمع المحلي، أما اليوم فأصبح عدد الإعجابات والمشاهدات والمتابعين معياراً رمزياً للمكانة. وهنا نشأت سوق جديدة للانتباه؛ سوق لا تُكافئ دائماً المعرفة أو الإبداع، بل تكافئ أحياناً الصدمة والإثارة وكسر الحدود الأخلاقية. لذلك نرى من يصور جثة ميت، أو ينشر مشاهد قبر، أو يوثق مريضاً أثناء عملية جراحية، أو يبث حادث سير أو حريق منزل قبل أن يمد يد العون للمصابين. إن الدافع هنا ليس واحداً، بل تتداخل عدة عوامل: الرغبة في الشهرة السريعة، والبحث عن التفاعل الرقمي، والشعور بالأهمية، وتقليد الآخرين، وقلة الثقافة القانونية، وأحياناً ضعف الوعي الأخلاقي أو تبلد الحس الإنساني نتيجة التعرض المستمر للمشاهد الصادمة.
والمفارقة أن الإنسان الذي يسعى إلى لفت الأنظار بأي ثمن قد يحقق شهرة لحظية، لكنه يخسر شيئاً أعمق: احترام الآخرين وثقتهم. فليست كل مشاهدة إنجازاً، وليست كل شهرة قيمة. إن المجتمع السليم لا يقاس بعدد من يحمل الهاتف لتوثيق المأساة، بل بعدد من يضع الهاتف جانباً ليقدم المساعدة. ويبقى التحدي الحقيقي في عصر التواصل هو التمييز بين صناعة المحتوى وصناعة المعنى، وبين الرغبة المشروعة في التقدير وبين تحويل آلام الناس وموتهم إلى مادة للاستهلاك الرقمي.
وأخيرا، إذا كان حب الظهور في أصله نزعة إنسانية طبيعية مرتبطة بالحاجة إلى الاعتراف الاجتماعي، فإن وسائل التواصل حوّلتها في بعض الحالات إلى اقتصاد للانتباه، حيث تصبح الصدمة والخصوصية المنتهكة واللحظات الإنسانية الحساسة سلعةً لجذب المشاهدات.










































