اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ١ أيار ٢٠٢٦
قد يبدو تفل القهوة في ظاهره مجرد مخلف يومي عديم القيمة، ينتهي به المطاف غالبًا في القمامة بعد إعداد المشروب، إلا أن أبحاثًا علمية حديثة كشفت عن إمكانية تحويله إلى مادة صناعية مفيدة، يمكن استخدامها في تطبيقات العزل الحراري داخل المباني ومواد التغليف.
توصل فريق بحثي من جامعة جيونبوك الوطنية في كوريا الجنوبية إلى أن هذه المخلفات العضوية، التي يُنتج العالم منها أكثر من 8 ملايين طن سنويًا، يمكن إعادة توظيفها بدلًا من التخلص منها، بما يحولها إلى مورد اقتصادي وبيئي في الوقت نفسه، ويخفف من مشكلة تراكم النفايات العضوية.
وبحسب الدراسة المنشورة في دورية بيوتشار، تم تطوير مادة مركبة قابلة للتحلل تعتمد على تفل القهوة بعد معالجته حراريًا وتحويله إلى فحم حيوي عالي المسامية، ثم دمجه مع بوليمر طبيعي مشتق من السليلوز يعرف باسم إيثيل السليلوز. وقد أظهرت النتائج أن المادة الناتجة حققت موصلية حرارية تقارب 0.04 واط لكل متر لكل كلفن، وهي قيمة تقترب من أداء بعض مواد العزل التجارية المستخدمة حاليًا مثل البوليسترين الممدد.
ويعتمد نجاح هذه المادة على فكرة أساسية في علم العزل، وهي تقليل انتقال الحرارة عبر احتجاز الهواء داخل مسام دقيقة. إلا أن تفل القهوة في حالته الطبيعية لا يمتلك بنية مسامية كافية لتحقيق هذا الهدف، ما دفع الباحثين إلى إدخاله في عملية “الكربنة”، حيث جرى تجفيفه أولًا عند درجات حرارة منخفضة، ثم تعريضه لحرارة مرتفعة تصل إلى نحو 900 درجة مئوية لإنتاج فحم حيوي غني بالكربون وأكثر قدرة على تشكيل فراغات دقيقة.
غير أن التحدي الأكبر تمثل في الحفاظ على هذه المسام أثناء دمج المادة مع البوليمر، إذ قد يؤدي تسرب المادة البوليمرية إلى داخل الفراغات إلى فقدان الخصائص العازلة. ولتفادي ذلك، استخدم الباحثون ما أطلقوا عليه “استعادة المسامية”، عبر معالجة الفحم الحيوي بمذيبات مختلفة قبل عملية الدمج، بما يضمن بقاء البنية المسامية فعالة داخل المركب النهائي.
وأظهرت التحاليل المجهرية أن هذه الاستراتيجية نجحت إلى حد كبير في الحفاظ على البنية الداخلية للمادة، وهو ما انعكس على كفاءتها في العزل الحراري.
ورغم هذه النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن التطبيق التجاري لهذه التقنية لا يزال في مراحله الأولى، حيث تحتاج المادة إلى مزيد من الاختبارات المتعلقة بالسلامة، ومقاومة الحريق، والرطوبة، والمتانة الميكانيكية، إضافة إلى تقييم جدواها الاقتصادية على نطاق صناعي واسع.
كما أن تحويل هذه الفكرة إلى منتج قابل للتطبيق يتطلب بنية تحتية متكاملة لجمع كميات كبيرة من تفل القهوة، ومعالجتها، وإعادة تدويرها بشكل منظم، وهو ما يمثل تحديًا لوجستيًا وصناعيًا لا يقل أهمية عن التحدي العلمي نفسه.
وبذلك تفتح هذه الدراسة الباب أمام رؤية جديدة لإدارة المخلفات العضوية، تقوم على تحويلها من عبء بيئي إلى مادة خام قابلة للاستخدام في صناعات متقدمة، ضمن توجه عالمي متزايد نحو الاقتصاد الدائري والاستدامة.










































