اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
عمان – السوسنة – هارون الضامن - شكك الكابتن الطيار حسين الرواشدة، في قراءة فنية نشرها على صفحته الشخصية على فيسبوك ورصدتها السوسنة، في بعض الأرقام والروايات المتداولة حول الهبوط الحاد والسرعة التي سجلتها طائرة فلاي دبي في الرحلة FZ1073، معتبرًا أن ما أُعلن عن فقدان الطائرة آلاف الأقدام خلال ثوانٍ وتجاوزها حدود السرعة يستدعي قراءة أكثر دقة في ضوء أنظمة الحماية التي تعمل بها الطائرات المدنية الحديثة وحدودها التصميمية.
وقال الرواشدة إنه حاول عدم الخوض في الحادثة، لكنه رأى ضرورة إبداء رأيه 'من الناحية العلمية والتقنية والفلسفية ونظريات تصميم الطائرات والطيران'، خصوصًا مع كثرة ما قيل عن حركة الطائرة في الجو قبل هبوطها اضطراريًا في مطار تبوك السعودي.
ويرتكز جانب أساسي من قراءة الرواشدة على أن الطائرات المدنية الحديثة تحيط بها مجموعة كبيرة من الحواسيب وأنظمة الإنذار والتحكم، مهمتها إبقاء الطائرة داخل الحدود المقررة لسلامة الطيران، مشيرًا في هذا السياق إلى مفهوم Flight Envelope Protection، أو حماية غلاف الطيران، وإلى أنظمة وحواسيب التحكم بالطيران.
وبحسب الرواشدة، فإن هذه الأنظمة مصممة لمنع الطائرة من تجاوز حدود معينة تتصل بالسرعة وزوايا الطيران والأحمال الواقعة عليها، ورأى أن تدخل الطيار نفسه لا يعني بالضرورة قدرته على تجاوز جميع القيود التي تفرضها أنظمة الحماية.
ومن هنا، توقف الرواشدة أمام الروايات التي تحدثت عن فقدان الطائرة نحو 17 ألف قدم خلال قرابة 30 ثانية، وكذلك ما قيل عن تجاوز سرعتها القصوى بأكثر من 100 عقدة، معتبرًا أن هذه الأرقام، وفق قراءته الفنية، تصطدم بقيود الحماية الموضوعة للطائرة ولا ينبغي التعامل معها دون العودة إلى البيانات الفنية الكاملة.
وتحدث الرواشدة كذلك عن G-Force، أي قوى التسارع التي يتعرض لها هيكل الطائرة ومن بداخلها، وقال إن الطائرات المدنية تعمل ضمن حدود تصميمية محددة، مشيرًا إلى نطاق يتراوح، في الوضع الذي تكون فيه أسطح الرفع الإضافية مطوية، بين سالب 1 وموجب 2.5 G، وأن تجاوز الحدود التصميمية يضع هيكل الطائرة وأجزاءها تحت أحمال كبيرة.
وتطرق إلى طريقة تشغيل الطائرات الحديثة، موضحًا أن الطيارين يتولون بصورة مباشرة مراحل رئيسية من الرحلة، وخصوصًا الإقلاع والهبوط، فيما يعتمد الطيران خلال أجزاء واسعة من الرحلة على أنظمة آلية، بينها الطيار الآلي A/P ومدير الرحلة F/D.
لكن الرواشدة يرى أن الإجابة النهائية عما جرى لا توجد في الروايات المتداولة، وإنما في أجهزة التسجيل داخل الطائرة. وأشار إلى CVR، وهو مسجل أصوات قمرة القيادة الذي يحتفظ بالمحادثات والأصوات، وإلى DFDR، مسجل بيانات الرحلة الذي يسجل مجموعة كبيرة من المعلومات الفنية المتعلقة بأداء الطائرة، كالارتفاع والسرعة والاتجاه وقوى التسارع وحالة الأنظمة والأعطال.
وفي ختام منشوره، ذهب الرواشدة إلى تلميح سياسي بشأن احتمال وجود أبعاد أخرى للحادثة، من دون تقديم أدلة على ذلك. وحتى الآن، لم تعلن الجهات التي تحقق في الواقعة أي دليل يثبت وجود دور للموساد أو لرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو في الحادثة.
وتأتي قراءة الرواشدة في وقت تكشفت فيه تفاصيل جديدة غيرت كثيرًا من الصورة التي أحاطت بالرحلة في ساعاتها الأولى.
فالطائرة المعنية هي بوينغ 737 MAX 8، تسجيلها A6-FKF، وكانت تشغل رحلة فلاي دبي FZ1073 من دبي إلى تل أبيب يوم 30 سبتمبر/أيلول. وأقلعت من دبي عند الساعة 03:05 بالتوقيت العالمي، قبل أن تصل إلى ارتفاع تحليق يبلغ 34 ألف قدم، وفق بيانات Flightradar24.
أما التطور الأبرز فجاء من الإمارات، إذ أعلن النائب العام الإماراتي أن التحقيقات توصلت إلى أن مساعد الطيار اعتدى على قائد الطائرة داخل قمرة القيادة باستخدام فأس طوارئ، وحاول السيطرة على الطائرة، ووصف ما قام به بأنه محاولة لتنفيذ 'عمل إرهابي'. وأكد أن التحقيق لا يزال مستمرًا لكشف الدوافع والملابسات، على أن تعلن نتائجه بعد استكمال الإجراءات.
ووفق رويترز، تمكن ركاب وأفراد من الطاقم من السيطرة على مساعد الطيار، فيما كان على متن الرحلة طيار احتياطي تابع لفلاي دبي تولى السيطرة على الطائرة وهبط بها في تبوك. وقالت فلاي دبي من جهتها إن طيارين من طواقمها كانوا مسافرين على الرحلة تمكنوا من تأمين الطائرة وتحويلها والهبوط بها بسلام، مؤكدة سلامة جميع الركاب وأفراد الطاقم
وهنا تبرز نقطة فنية لافتة عند مقارنة قراءة الرواشدة بما سجلته أنظمة تتبع الرحلة.
فبيانات Flightradar24 أظهرت أن الطائرة كانت تحلق على ارتفاع 34 ألف قدم، قبل أن تبدأ عند الساعة 05:21 بالتوقيت العالمي هبوطًا حادًا، أعقبه صعود حاد ثم هبوط آخر، قبل أن تتمركز لاحقًا حول ارتفاع 15 ألف قدم، مع تسجيل تغيرات كبيرة في السرعة الأرضية خلال بقية الرحلة.
وتذهب البيانات التي نقلتها رويترز عن Flightradar24 إلى رقم أكثر تحديدًا؛ إذ أفادت بأن الطائرة فقدت نحو 16,625 قدمًا خلال ما يزيد قليلًا على 30 ثانية أثناء تحليقها فوق السعودية. وهذا الرقم قريب من الرقم الذي توقف أمامه الرواشدة وشكك في إمكان حدوثه وفق قراءته لأنظمة حماية الطائرة.
غير أن بيانات التتبع الخارجية لا تقدم وحدها الإجابة الكاملة عما تعرضت له الطائرة. فبيانات ADS-B التي يتيحها Flightradar24 تتضمن الارتفاع البارومتري والسرعة الأرضية ومعدل الحركة الرأسية، وهي مهمة في إعادة بناء مسار الرحلة، لكنها لا تحل محل البيانات التفصيلية الموجودة في مسجلات الطائرة والتحقيق الفني عند تحديد الأوامر التي صدرت داخل قمرة القيادة أو الأحمال الفعلية التي تعرض لها الهيكل.
وهذا الفارق هو ما يجعل الرقم المسجل في بيانات التتبع حقيقة قابلة للرصد، فيما يبقى تفسير كيف وقع هذا الهبوط، وما الذي حدث لأنظمة الطائرة خلاله، وما الأحمال التي تعرضت لها فعليًا أسئلة تنتظر نتائج التحقيق الفني.
وتكشف بيانات الرحلة أيضًا تسلسلًا غير اعتيادي لإشارات الطوارئ. فقد بثت الطائرة أولًا الرمز 7700، وهو الرمز الدولي لحالة الطوارئ العامة، ثم انتقلت إلى 7500، المستخدم دوليًا للإشارة إلى تدخل غير مشروع في الطائرة، قبل أن تعود إلى 7700 وهي تتجه نحو تبوك، حيث هبطت بسلام.
وفي السعودية، أعلن المركز الوطني لسلامة النقل فتح تحقيق في الهبوط الاضطراري، وقال إن فريقًا مختصًا بسلامة الطيران بدأ العمل بالتنسيق مع الجهات المعنية للوقوف على ظروف الواقعة وجمع المعلومات والأدلة والتحقق من الجوانب المتعلقة بسلامة الطيران.
وبذلك تسير القضية في مسارين متوازيين؛ أولهما أمني وقضائي يتعلق بالاعتداء داخل قمرة القيادة ودوافعه، والثاني فني يتعلق بما جرى للطائرة نفسها أثناء الاضطراب الحاد في مسارها، وهو المسار الذي يفترض أن يقدم لاحقًا إجابات أكثر دقة عن الأسئلة التي أثارها الرواشدة.
وفلاي دبي نفسها دعت إلى عدم استباق نتائج التحقيق، وقال رئيسها التنفيذي غيث الغيث إن تحقيقًا رسميًا كاملًا يجري بدعم من الشركة لتحديد الحقائق، فيما أعلنت الناقلة تعليق رحلاتها من وإلى تل أبيب مؤقتًا أثناء استمرار التحقيق.
وبين ما تقوله شاشة التتبع وما يطرحه الرواشدة من أسئلة تتصل بحدود تصميم الطائرة، تبقى الكلمة الفنية الأخيرة للتحقيق وبيانات الطائرة نفسها؛ فالأرقام ترسم مسار ما حدث في الجو، لكنها لا تروي وحدها كل ما حدث داخل قمرة القيادة.












































