اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٦ أب ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
ليس مهماً بالنسبة للمواطن الأردني كم مجلساً سنشكّل، ولا عدد المقاعد التي ستوزع هنا وهناك، ولا حتى المسميات الجديدة التي ستدخل إلى قاموس الإدارة المحلية. ما يعني المواطن في نهاية المطاف سؤال بسيط ومباشر: هل ستتحسن الخدمات في مدينتي وقريتي؟ وهل سيكون لصوتي أثر حقيقي في القرار؟
هذا هو الاختبار الفعلي لأي تشريع جديد يتعلق بالإدارة المحلية. فالقوانين لا تقاس بجودة صياغتها وحدها، وإنما بما تحدثه من تغيير ملموس على الأرض، وبقدرتها على نقل القرار التنموي من المكاتب المركزية إلى المحافظات والبلديات، ومنح المجتمعات المحلية مساحة حقيقية لتحديد أولوياتها.
لقد خاض الأردن خلال السنوات الماضية أكثر من تجربة في اللامركزية والإدارة المحلية، وكان الهدف المعلن دائماً توسيع المشاركة الشعبية وإعطاء المحافظات دوراً أكبر في صناعة القرار التنموي. لكن التجربة كشفت في المقابل عن تحديات تتعلق بالصلاحيات وتداخل الأدوار والتمويل والقدرة على تحويل الخطط إلى مشاريع يلمسها المواطن.
واليوم، مع مرحلة جديدة من التشريعات المنظمة للإدارة المحلية، لا نحتاج إلى إعادة إنتاج التجربة بالأدوات ذاتها، وإنما إلى الاستفادة من أخطائها ووضع إجابة واضحة عن السؤال الأهم: من يملك القرار؟
فلا قيمة لمجلس منتخب إذا كان يستطيع اقتراح المشروع ولا يستطيع ضمان تنفيذه، ولا معنى لتمثيل محلي واسع إذا ظلت القرارات الأساسية مرتبطة بسلسلة طويلة من الموافقات المركزية.
المواطن في إربد أو الكرك أو الطفيلة أو المفرق أو معان أو جرش أو عجلون لا يريد أن يسافر مشروع منطقته بين المكاتب والوزارات سنوات حتى يحصل على الموافقة والتمويل. يريد جهة محلية يعرفها، تستطيع اتخاذ القرار، وتمتلك الموازنة والصلاحية، ويمكن مساءلتها عندما تقصر.
وهنا جوهر القضية: لا إدارة محلية حقيقية دون صلاحيات حقيقية.
ولا يمكن الحديث عن تنمية المحافظات فيما تبقى معظم مفاتيح القرار والتمويل في العاصمة. فاللامركزية ليست نقل الاجتماعات من عمان إلى المحافظات، وإنما نقل جزء حقيقي ومدروس من سلطة القرار والموارد والمسؤولية.
وفي المقابل، فإن منح الصلاحيات يجب أن يترافق مع مستوى أعلى من الرقابة والمساءلة. فالإدارة المحلية ليست باباً جديداً للوظائف أو المناصب أو توزيع المكاسب، وإنما وسيلة لتحسين حياة الناس.
نريد مجالس تُسأل عن الطريق الذي لم يُعبد، وعن المنطقة التي لم تصلها الخدمات، وعن المشروع الذي تعطل، وعن الموازنة التي أنفقت، وعن الأولويات التي اختيرت. ونريد في الوقت نفسه أن تكون هذه المجالس قادرة على الإجابة لأنها تمتلك بالفعل أدوات العمل، لا أن يكون جوابها الدائم: القرار ليس عندنا.
ومن الضروري كذلك إعادة النظر في العلاقة بين المجالس المحلية والبلديات والوزارات والمحافظين والجهات التنفيذية، بحيث تكون المسؤوليات محددة بوضوح. فتداخل الصلاحيات يعني في كثير من الأحيان ضياع المسؤولية، وعندما تتعدد الجهات التي يفترض أنها مسؤولة، يصبح من السهل ألا يتحمل أحد المسؤولية.
التنمية المحلية أيضاً لا تعني إنشاء مبنى حكومي هنا أو تعبيد شارع هناك فقط. مفهوم التنمية أوسع بكثير؛ يبدأ من خلق فرص العمل وتشجيع الاستثمار المحلي ودعم المشاريع الصغيرة، ويمتد إلى النقل والمياه والصحة والتعليم والبيئة والسياحة والزراعة والبنية التحتية.
ولكل محافظة في الأردن ميزتها واحتياجاتها المختلفة، ولذلك من غير المنطقي التعامل مع جميع المحافظات بوصفة تنموية واحدة.
ما تحتاجه العقبة ليس بالضرورة ما تحتاجه عجلون، وأولويات المفرق تختلف عن أولويات الكرك، واحتياجات الأغوار ليست احتياجات عمان. وهنا تحديداً تظهر أهمية الإدارة المحلية: أن يصنع أبناء المنطقة جزءاً أساسياً من رؤيتها التنموية لأنهم الأعرف بمواردها ومشكلاتها وفرصها.
والأهم من كل ذلك أن يشعر المواطن بأنه شريك.
فالديمقراطية المحلية لا تبدأ وتنتهي عند صندوق الاقتراع كل عدة سنوات، وإنما تعني وجود قنوات مستمرة يستطيع المواطن من خلالها معرفة أين تنفق الأموال، ولماذا اختير مشروع على حساب آخر، وما نسبة الإنجاز، ومن المسؤول عن التأخير.
ومن هنا فإن الشفافية يجب ألا تكون بنداً إنشائياً في أي تجربة جديدة. المطلوب نشر الموازنات والمشاريع ونسب الإنجاز والجداول الزمنية بصورة يستطيع المواطن الوصول إليها وفهمها.
من حق الأردني أن يعرف أين تذهب أموال محافظته.
ومن حقه أيضاً أن يعرف لماذا تأخر مشروع، ولماذا تغيرت الأولويات، ومن يتحمل مسؤولية التقصير.
هذه الشفافية ليست عبئاً على الدولة، بل إحدى أهم وسائل حماية المؤسسات وتعزيز ثقة المواطنين بها.
والحكومة أمام فرصة حقيقية لتحويل الإدارة المحلية من ملف إداري وتشريعي إلى مشروع إصلاحي وتنموي يشعر به الناس. لكن نجاح هذه الفرصة مرهون بالابتعاد عن عقلية تغيير المسميات والإبقاء على الأدوات القديمة.
الأردن لا يحتاج إلى مجالس إضافية بقدر حاجته إلى إدارة محلية فعالة، بصلاحيات واضحة، وموارد كافية، ورقابة صارمة، ومساءلة حقيقية.
وفي النهاية، لن يسأل المواطن عن عدد مواد القانون ولا عن عدد اللجان التي ناقشته.
سيسأل عن الشارع أمام منزله، وعن المياه، والنقل، والنظافة، وفرصة العمل لابنه، والمركز الصحي في منطقته، والاستثمار الذي وعدت به محافظته ولم ير النور.
وعندما تستطيع الإدارة المحلية الإجابة عن هذه الأسئلة بالفعل، عندها فقط يمكن القول إننا انتقلنا من إدارة المحافظات إلى تنمية المحافظات.












































