اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ شباط ٢٠٢٦
حسين الحربي
في هذه الزاوية ستأخذنا الإعلامية والصحفية المغربية فاتحة أوعلي، التي لها إسهامات ثقافية وأدبية وعملت في عدة صحف وقنوات منها سكاي نيوز عربية وحالياً مراسلة لقناة 'العربية' بالمملكة المغربية، ومؤخراً دشنت مشروعها الإعلامي 'بودكاست الحياة قرار' وهو مساحة حوارية رصينة تستكشف من خلالها جوهر التجارب الإنسانية والقرارات المصيرية لضيوفها، إلى عوالم القراءة من خلال ما اطلع عليه مؤخراً ويوصي بقراءتها، وهي:
'رواء مكة' - حسن أوريد
رواء مكة ليست رواية رحلة بالمعنى التقليدي، بل هي مسار داخلي معقد يتخذ من السفر إلى مكة المكرمة إطارًا رمزيًا. بطل الرواية مثقف مثقل بأسئلة الهوية والانتماء، يعيش توترًا بين مرجعيات متعددة، ويشعر بأن يقينه القديم لم يعد كافيًا لاحتواء قلقه. لذلك يختار شد الترحال إلى مكة بحثًا عن معنى يعيد ترتيب فوضى الداخل، مكة في الرواية ليست مكانًا جغرافيا فحسب، بل رمز للتطهر وإعادة البناء. إنها فضاء تتقاطع فيه الذاكرة بالتاريخ، والديني بالإنساني، والشخصي بالكوني، ومن خلال هذا التقاطع، يفتح الكاتب نقاشًا هادئًا حول علاقة المثقف بالدين، وحول إمكان الجمع بين العقل والإيمان دون صراع دائم أو قطيعة حادة.
أسلوب حسن أوريد يتسم بالهدوء والعمق، حيث يمزج بين السرد والتأمل الفكري في لغة سلسة لكنها مشحونة بالدلالات، لا يسعى إلى إقناع القارئ بقدر ما يدعوه إلى التفكير، ولا يغلق الأسئلة بقدر ما يوسع أفقها.
'محاط بالحمقى' – توماس إريكسون
كتاب في التنمية الذاتية والتواصل يعتمد فيه على نموذج مبسط لتفسير أنماط الشخصيات من خلال أربعة ألوان: الأحمر، الأصفر، الأخضر، الأزرق. هو ليس كتابًا عن الحمقى بالمعنى الحرفي، بل عن سوء الفهم الذي يجعلنا نطلق هذا الحكم بسهولة، منطلقاً من فكرة أن المشكلة ليست في الآخرين، بل في اختلاف أنماط تواصلنا معهم.
لا يقدم 'محاط بالحمقى' وصفة سحرية للعلاقات، بل يطرح تمرينًا بسيطًا في التواضع المعرفي والاجتماعي. يدفعنا الكتاب للاعتراف بأننا لسنا المعيار الوحيد للصواب، وأن استيعاب التنوع البشري هو الخطوة الأولى لبناء جسور تواصل فعالة، محولاً نظرتنا للآخرين من 'حمقى' إلى شركاء مختلفين في التجربة الإنسانية.
'رحلة الإيكيجاي' – هكتور غارسيا وفرانسيس ميراليس
تعد 'رحلة الإيكيجاي' للكاتبين هكتور غارسيا وفرانسيس ميراليس امتداداً فلسفياً وعملياً للبحث عن 'معنى الوجود'، حيث تتجاوز فكرة السعادة العابرة لتستقر في عمق 'السبب الذي يجعلنا نستيقظ كل صباح'. الكتاب ليس مجرد نصائح عابرة، بل هو مسار منظم ينطلق من الثقافة اليابانية ليقدم رؤية كونية حول كيفية موازنة الإنسان بين شغفه الشخصي واحتياجات العالم. إنها دعوة لإعادة ترتيب فوضى الأولويات والبحث عن النقطة المركزية التي تتقاطع فيها الموهبة مع المنفعة.
تنقسم الرحلة في الكتاب إلى ثلاث محطات زمنية وروحية؛ تبدأ بالماضي لاستعادة الشغف الطفولي الضائع، ثم الحاضر لتعزيز حالة 'التدفق' والتركيز، وصولاً إلى المستقبل عبر صياغة أهداف طموحة. هذا المسار يشبه إلى حد كبير 'الرحلة الداخلية' التي نجدها في أدب التأمل الروحي، حيث يكتشف الفرد أن الإجابات ليست في الخارج، بل في قدرته على الإنصات لذاته وفهم إيقاعه الخاص بعيداً عن ضجيج التوقعات الاجتماعية المتسارعة.
'سكر محروق' – أفني دوشي
تعد الرواية للكاتبة الأميركية من أصل هندي أفني دوشي عملاً أدبياً حاداً يغوص في تعقيدات العلاقة بين الأم وابنتها، مبتعداً عن الصور النمطية المعتادة للأمومة المقدسة. تدور أحداث الرواية في مدينة بونا الهندية، حيث تضطر الابنة 'أنتارا' لمواجهة تدهور ذاكرة والدتها 'تارا' بسبب مرض الزهايمر. هي رحلة طبية تستحضر ماضياً مليئاً بالندوب والتمرد، حيث تعيد الابنة قراءة تاريخ والدتها التي اختارت يوماً ما هجر التقاليد والالتزامات الأسرية بحثاً عن حرية شخصية قاسية.
'سكر محروق' هي رحلة في التطهير النفسي وإعادة بناء الذات أمام حطام الآخر، إنها رواية عن البحث الدائم عن الاعتراف، وعن الإنسان حين يقرر مواجهة حقائقه القبيحة قبل الجميلة، تنتهي الرواية لتترك القارئ أمام حقيقة أن الطمأنينة لا تولد دائماً من التصالح التام، بل أحياناً من قبول الفوضى والمصالحة مع الشكوك التي تتركها العلاقات الإنسانية الأكثر تعقيداً في مسار حياتنا.
'قصر الدموع' – شبنم إيشيجوزل
تعد الرواية دراما تاريخية ممعنة في الرمزية، حيث تتخذ من سقوط الإمبراطورية العثمانية خلفية لتفكك الذات الإنسانية. من خلال قصة 'فؤاد'، الشاب الأرستقراطي الذي يُنفى من إسطنبول إلى جزيرة قصية، ليعيش صراعاً مريراً بين ماضيه المترف وحاضره الموحش. هذا النفي ليس مجرد عقوبة جغرافية، بل هو مختبر نفسي يضطر فيه البطل لمواجهة أشباحه الشخصية وخطايا عائلته، في ظل انهيار إمبراطورية كانت تظن أنها لن تغيب عنها الشمس.
تخلص الرواية إلى أن 'قصر الدموع' ليس مكاناً للسكن، بل هو محطة للتطهر من الأوهام الأرستقراطية والاعتراف بالهشاشة البشرية. إنها رحلة في سبر أغوار النفس حين تُجرد من أسلحتها، وتُجبر على صياغة معنى جديد لحياتها وسط الركام. في النهاية، يقدم الكتاب رؤية تأملية حول النهاية؛ نهاية العصور ونهاية الشباب ونهاية اليقين، مؤكداً أن التصالح مع الانهيار هو الخطوة الأولى نحو فهم أعمق للذات وللتاريخ الذي نشكل جزءاً ضئيلاً منه.










































