اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣ نيسان ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
العقيلات حركة تجارية نشطت في نجد قبل نحو قرنين ونصف القرن من الزمن، وكان يقودها رجال مختلفون، لا ينتمون إلى قبيلة بعينها، أو إلى مكانٍ محدّد، وإن كان أكثرهم من نجد، ومنطلق رحلاتهم من القصيم، وما حولها. والعقيلات جمع، واحدهم: عُقَيّليّ، وقد اشتهروا بتجارة الخيل، والإبل، والأغنام، والغذاء، والملابس، وغيرها، فشكّلوا بذلك منفذاً للبيع، والاستيراد، والتصدير. وربما لُقِّبوا بذلك، قيل: لتميّزهم بلبس العِقَال، وقيل من عِقال الإبل، أي ربطها.
وقد قال فيهم الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- في كتابه (ذكريات): «ولم ينفرد أهل الشام في البراعة في التجارة، بل كنتُ أرى وأنا صغير جماعة من أهل نجد، يمشون إلى العراق، وإلى الشام، وقد استقرّ فريق منهم فيها.. وكان هؤلاء النجديون يُعرفون عندنا بــ (العقيل)، أو (العقيلات)، يتاجرون بالإبل، وغير الإبل، ويدلّون القوافل على الطريق لمّا كان الحج بالبَرّ، وكانوا معروفين بصدق القول، واستقامة السيرة، وحسن المعاملة».
لقد شكّل رجال العقيلات مصدراً من مصادر التراث الوطني الذي يمكن أن يستند عليه الباحث في الموروث المحلي، وكان سردهم مليئاً بالأحداث، والحكايات، والقصص الجميلة؛ ولذلك برعوا بأدبهم القصصي الماتع، إلى جانب براعتهم بالتجارة، وقد كان جدّي لأمي من أواخر سلسلة أولئك الرجال، وقد ورث المهنة عن أبيه -رحمهما الله-.
وكان من سرده لي: إن أكثر هؤلاء العقيلات لا ينتمون إلى عائلة معينة، وإنما هم أخلاط من قبائل شتى، وعوائل مختلفة، وأكثرهم من حاضرة القصيم، وما جاورها من المحافظات، وكانت تجمعهم كلمة (عقَيْل)، وكانت مهنتهم تعتمد على التجارة بالإبل، والخيل، وكانوا يستوردون القهوة، والشاي، والسكر، والتّمّن (نوع من الأرز)، وتمر الصِّقعِي، إضافة إلى بعض الأثاث، والأواني، والملابس، والمستلزمات الأخرى.
وكان من سرده رحمه الله: إن الإبل هي رأس المال الأول، ففيها البيع والشراء، وفيها الخير والثراء، ومنها الأكل والشرب؛ لذلك كانت الإبل أثيرةً لديهم، عزيزة في نفوسهم، كبيرة في قلوبهم، كما لو كانت فرداً من أفرادهم، ولا سيما أنهم كانوا يقضون عليها وقتاً مليئاً بالمصاعب والمتاعب، حتى لقد نشأت بينها ألفةً حدّثني عنها جدي ذات يوم، عندما كان يؤنسن لي تصرفات ناقته، ويصفها كما لو يصف إنساناً عزيزًا.
لم أنسَ ذلك الموقف الذي وصفه لي جدي حينما كان متّجهًا بقافلته إلى العراق، كان الثلج يغطّي الصحراء، وبعد أن استيقظ من نومه وجد أكواماً من الثلج فوق أسنمة الرواحل، فأخذ يزيل الثلج عن ظهورها، وكانت الإبل تصدر أصواتاً دافئة يعرفها جدي، كان يقول لي: كنتُ أحدّث جملي كأنه إنسانٌ يعرفني، ولطالما كنتُ أحدثه وهو يهمهم لي بعبرته التي أفهمها.
وكان من سرده رحمه الله: إن السفر هو شرف العقيلي، وهو وسام فخاره ومجده، والبعير هو مصدر الحياة، وأساس الرزق؛ لذلك كان يقص علينا من رحلاته أيام شبابه إلى العراق, والشام؛ لجلب البضائع التجارية مع جمعٍ من الإبل، وقليلٍ من الرفاق الأمناء الأشداء، ولم يكن معهم شيء سوى اليسير من الزاد، والسلاح، وعادةً ما يكون مشرفاً على تلك القافلة، ومسؤولاً عنها، وكم كانت الإبل - كما يقول - تغنينا وتكفينا عن الناس في صبرها، وجلدها، وعطائها، ووفائها، وفي مشاعرها أيضًا.
كانت تلك الأسفار نقطة انطلاق الحكايات المثيرة، والقصص العجيبة التي كان يسردها الجد - رحمه الله - بوصفه أحد أفراد تلك الحركة التجارية القديمة، كان يسترجع الماضي الجميل كأنه رواية تنطق بالحكم والأسرار، وتبوح بالقصص والأشعار.










































