اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٠ أب ٢٠٢٦
د. فايز بن عبدالله الشهري
لا تكتب المصادفات التاريخ في لحظاته الفارقة، بل تصنعه إرادة القيادات الواعية بذاتها وبمحيطها. وما شهدناه ونشهده في شهري يوليو وأغسطس من عام 2026 من حراك سياسي وعسكري سعودي لا يمكن وصفه مجرد خطوة في سجل السياسة، بل يمثل بيانًا واضحًا لعقيدة استراتيجية سعودية جديدة، تعيد تعريف مفهوم القوة من أداة ردع إلى أداة هندسة استباقية للاستقرار. نعم، إنها لحظة تتقاطع فيها ضرورات الأمن الوطني السعودي مع واجبات القيادة الإقليمية، في مشهد استنطق التحليلات هنا وهناك في جرأة طرحه ودقة توقيته.
ومن هنا، كانت الضربات العسكرية السعودية النوعية ضد الميليشيات الولائية في العراق بمثابة إعلان صريح بأن زمن الاستنزاف الناعم قد ولى. وعليه، لم تعد الرياض تتعامل مع التهديدات العابرة للحدود باعتبارها مسألة احتواء دبلوماسي مؤجل، بل بوصفها خطرًا وجوديًا يستوجب الاجتثاث من جذوره قبل أن يستشري. وهذه العمليات، التي اتسمت بدقة استخباراتية وعسكرية مذهلة، لم تكن مجرد رد فعل على استفزاز محدود، بل كانت رسالة واضحة إلى كل القوى الإقليمية والدولية بأن حسابات الردع السعودي قد تغيرت، وأن التواري الاستراتيجي الذي طالما وظفته قوى الخصوم من خلال ميليشيات الدمار لم يعد ملاذًا آمنًا، بل بات ساحة مكشوفة للقدرات النوعية السعودية التي لم يعد بإمكان أحد تجاهلها. وهي لحظة سعودية تطبع بصمتها بوضوح وتعلن التحول من استراتيجية الصبر الاستراتيجي إلى الاستباق الحاسم الذي يفرض قواعد اشتباك جديدة.
وبالتوازي مع هذا الحسم العسكري في المشرق، كانت الرياض تنسج بصمت خيوط درع جيوسياسي متين في البحر الأحمر، هذا الشريان الحيوي للأمن والتجارة العالميين. ولا يمكن قراءة مبادرة تعزيز وقيادة تحالفات الأمن البحري مجرد تكتيك لحماية الملاحة، بل هو إعادة تعريف للسيادة السعودية على خاصرتها المائية. وفي هذه الرقعة المضطربة من العالم، حيث تتصارع المصالح الكبرى، تفرض المملكة نفسها ليس كمجرد طرف فاعل، بل كقائد فعال في الصدارة، ولديه القدرة ليس فقط على صياغة توافق دولي تحت رايته، بل وعلى ترجمة الأمن الوطني إلى واقع عملياتي تحميه السفن والرادارات والاتفاقيات الملزمة. وبهذا فإن البحر الأحمر، في الاستراتيجية السعودية الجديدة، لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى مساحة نفوذ مسؤولة، في دائرة قوة راشدة تمنع الفوضى وتؤمن التدفق الحر للطاقة الاقتصاد العالمي.
أما ذروة هذا الحراك السعودي، فتتجسد في حوائط الفولاذ الدفاعي التي شيدتها الدبلوماسية السعودية مع كل من باكستان وتركيا؛ من خلال اتفاقيات دفاع مشترك تتجاوز البعد الثنائي لتؤسس لحلف ثلاثي الأبعاد، قادر على تغيير ميزان القوى في غرب آسيا وجنوبها. وهذا التحالف لا تقوم هندسته على افتراضات عداء خارجي، بل على ضرورة وطنية وإقليمية لبناء كتلة صلبة مع الدول ذات السيادة والقدرات الذاتية، والتي لا تتماهى مع الإملاءات الدولية.
هنا إسلام آباد، العمق البشري والنووي، وهناك أنقرة، الخبرة الصناعية والعسكرية، ومعها تقيم الرياض قوسًا استراتيجيًا لا يهدف إلى التصعيد، بل إلى خلق توازن قوى يجعل الحرب والعبث خيارًا صعبًا على الخصوم. وهذه الخطوة تتجاوز فكرة صفقات سلاح وتنسيق استخباري، بل هي نواة لتحالف يمتلك القدرة على صياغة مستقبل الإقليم دون انتظار الضوء الأخضر من أي عاصمة كبرى.
وعليه، فإن ما تقوم به المملكة اليوم يتجاوز مفهوم ردود أفعال على تهديدات متصاعدة، إلى التطبيق الصارم لعقيدة السيادة الكاملة التي لا تقبل المقايضة أو التجزئة. وفي عالم يموج بالتحولات، حيث تعيد القوى العظمى تموضعها وتتسارع الأزمات الدولية، تثبت الرياض اليوم أن الاستقرار لا يُنتظر بل يُصنع، وأن السلام لا يُوهب بل يُفرض من مركز قوة وحزم، وأن التاريخ، في نهاية المطاف، تكتبه الأمم التي اختارت أن تكون سيدة نفسها وحارسة محيطها.
قال ومضى:
بالحزم تُفرض السيادة، وبالعزم تحضر القيادة..










































