اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ أب ٢٠٢٦
سعدون العويمري
ليست كل الأوراق سواء؛ فهناك ورقة تُقرأ ثم تُطوى، وهناك ورقة تبقى في الذاكرة مهما تعاقبت السنوات. وعندما تصل صحيفة بحجم «الرياض» إلى ورقتها المطبوعة الأخيرة، فإن الحديث لا يكون عن توقف مطبعة أو غياب صحيفة عن أكشاك البيع، بل عن نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الصحافة السعودية، وبداية مرحلة أخرى عنوانها: التحول، والتجدد، وصناعة المستقبل.
في الأول من مايو عام 1965م، خرج العدد الأول من صحيفة «الرياض» في ست صفحات فقط، لتكون أول صحيفة يومية باللغة العربية تصدر من العاصمة السعودية. ومن حي المرقب بدأت الرحلة، قبل الانتقال إلى الملز، ثم إلى المبنى الكبير في حي الصحافة، حيث واكبت المؤسسة أحدث تقنيات الطباعة والإنتاج الصحفي.
ومنذ ذلك اليوم، لم تكن «الرياض» مجرد ناقل للخبر، بل كانت جزءاً من ذاكرة وطن. وثقت تحولات المملكة، ورافقت مراحل التنمية، وحملت أخبار الوطن إلى القارئ، وفتحت صفحاتها للرأي والفكر والثقافة والرياضة والاقتصاد والمجتمع.
وخلف هذه المسيرة تقف مؤسسة اليمامة الصحفية، ذلك الكيان الإعلامي العريق الذي شكّل مدرسة حقيقية في الصحافة السعودية. وتعود جذوره إلى تجربة «اليمامة» التي ارتبطت باسم علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر، أحد رواد الثقافة والصحافة في المملكة، قبل أن تتأسس مؤسسة اليمامة الصحفية في الستينيات، وتنطلق منها صحيفة «الرياض» لتصبح لاحقاً واحدة من أبرز الصحف السعودية وأكثرها حضوراً وتأثيراً. (موسوعة المملكة العربية السعودية.
وخلال عقود طويلة، لم تكن المؤسسة تصنع صحفاً فقط، بل صنعت إعلاميين، فمن أروقتها خرجت أسماء صحفية وكتّاب ومحررون ومصورون وإداريون أسهموا في تشكيل المشهد الإعلامي السعودي.
وكانت «الرياض» من المؤسسات الرائدة في توطين العمل الصحفي؛ إذ سجلت سعودة كاملة لوظائف التحرير، كما اهتمت مبكراً بحضور المرأة في العمل الصحفي، وصولاً إلى تعيين أول مديرة تحرير في مؤسسة صحفية بحسب التعريف الرسمي للمؤسسة.
واليوم، عندما تتوقف النسخة المطبوعة، لا ينبغي أن ننظر إلى المشهد باعتباره وداعاً لـ«الرياض»، بل وداعاً للورق فقط.
فالصحافة لا تموت بتوقف المطابع، والصحيفة العريقة لا تختصر في أوراقها، وإنما في اسمها ومصداقيتها ومحتواها ورجالها ونسائها وتاريخها وقدرتها على الوصول إلى الناس. وكانت «الرياض» من أوائل الصحف السعودية التي أدركت مبكراً أهمية الإنترنت؛ إذ تأسس موقعها الإلكتروني عام 1998م، لتبدأ رحلة طويلة من الانتقال التدريجي نحو الإعلام الرقمي.
وقد واصلت مؤسسة اليمامة خلال السنوات الأخيرة تطوير أدواتها الرقمية، ومن أبرز تجاربها إطلاق منصات صحفية رقمية وفيديوية جديدة، في محاولة للجمع بين أصالة المؤسسة ومتطلبات الإعلام الحديث.
إن الورقة الأخيرة ليست شهادة وفاة للصحافة، وإنما شهادة ميلاد لمرحلة جديدة.
مرحلة يصبح فيها الهاتف مطبعة، والمنصة صحيفة، والفيديو تقريراً، والصحفي صانع محتوى متعدد الأدوات. وهنا تكمن المسؤولية الكبرى أمام مؤسسة اليمامة: أن تحمل تاريخها العريق معها إلى المستقبل، وأن تستثمر في الصحفي السعودي، وفي الذكاء الاصطناعي، وصحافة البيانات، والفيديو، والمنصات الاجتماعية، وصناعة المحتوى الرقمي الحديث.
ستتوقف آلة الطباعة يوماً، وسيغيب صوت الورق الذي رافق أجيالاً من القراء، وربما تكون لحظة مؤثرة لكل من عمل في هذه المؤسسة أو حمل «الرياض» بين يديه صباحاً.
«الرياض» ستبقى
ستبقى اسماً ارتبط بالعاصمة والوطن، ومدرسةً مرّ عبرها أجيال من الإعلاميين، وذاكرةً تحفظ عشرات السنين من تاريخ المملكة.
شكراً لمؤسسة اليمامة الصحفية..
شكراً لكل رئيس تحرير وكاتب ومحرر ومصور وفني وإداري وعامل مرّ من هنا.
شكراً لكل يد حملت الورقة الأولى، ولكل يد ستطوي الورقة الأخيرة.
فالورق يتوقف.. أما «الرياض» فقصتها لم تنتهِ، بل تبدأ من جديد.










































