اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
بينة الملحم
الاتفاق النووي السعودي - الأميركي لا يمثل مجرد عقد تجاري، ولا تحالفاً أيديولوجياً جديداً، بل يعكس إدراكاً متبادلاً بأن إعادة تشكيل الشرق الأوسط لن تقوم على منطق الصفقات المؤقتة، وإنما على بناء مصالح استراتيجية طويلة الأجل، تتقاطع فيها التنمية مع الأمن، والسيادة مع التكنولوجيا، والدبلوماسية مع ميزان القوى..
تميل النقاشات الدائرة حول الاتفاق النووي السعودي - الأميركي إلى اختزاله في سؤال تقني: هل تحتاج المملكة إلى الطاقة النووية؟ أو في سؤال سياسي: هل يمثل الاتفاق انتصاراً لإدارة الرئيس دونالد ترمب أم تنازلاً منها؟ لكن هذين السؤالين، على أهميتهما، لا يلامسان جوهر القضية، فالملف النووي السعودي، في حقيقته، ليس ملفاً للطاقة بقدر ما هو انعكاس لتحول عميق في مفهوم القوة والدولة والشراكات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
فالبرنامج النووي السعودي لم يولد مع الحرب الأخيرة، ولم يكن استجابة آنية للتوتر مع إيران، كما يذهب بعض المحللين. إنه مشروع بدأ التفكير فيه قبل أكثر من عقد، ضمن رؤية أشمل لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الطاقة وبناء قاعدة صناعية وتقنية متقدمة. ولهذا، فإن اختزال الاتفاق في كونه نتيجة ظرف إقليمي طارئ يتجاهل سنوات طويلة من التفاوض الفني والقانوني والسياسي بين الرياض وواشنطن، شاركت فيها أربع إدارات أميركية متعاقبة، جمهورية وديمقراطية، بما يؤكد أن الملف تجاوز منذ زمن حسابات الحزبين ليصبح جزءاً من التفكير الاستراتيجي الأميركي تجاه الخليج.
وهنا تكمن نقطة يغفلها كثير من منتقدي الاتفاق داخل الولايات المتحدة. فالرواية التي تصور أن واشنطن تقدم “هدية” للمملكة تتناقض مع المنطق الذي يحكم مؤسسات الأمن القومي الأميركية. فمراكز التفكير، من “CSIS” إلى “Atlantic Council”، تنطلق من حقيقة بسيطة:
السعودية لن تتخلى عن مشروعها النووي السلمي، وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان البرنامج سيقام، بل من سيكون الشريك الذي سيبنيه؟
في عالم يتجه نحو تعددية قطبية، لا يعود الفراغ خياراً، وإذا انسحبت الولايات المتحدة من هذا المشروع، فلن يتوقف، وإنما ستملأ الفراغ قوى أخرى تمتلك التكنولوجيا والطموح السياسي، سواء في أوروبا أو آسيا. ومن هذه الزاوية، يصبح الاتفاق وسيلة للحفاظ على النفوذ الأميركي، وليس تنازلاً عنه، لأن التكنولوجيا النووية، شأنها شأن الصناعات الدفاعية، لا تنقل المعرفة فقط، بل تؤسس لاعتماد استراتيجي طويل الأمد يمتد لعقود.
وفي الاتجاه المقابل، لا تنظر المملكة إلى الاتفاق باعتباره اصطفافاً سياسياً جامداً، وإنما باعتباره امتداداً لسياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات دون استبدالها. فمنذ إطلاق “رؤية السعودية 2030”، تبنت الرياض ما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية التوازن”، القائمة على توسيع شبكة العلاقات الدولية مع الحفاظ على التحالفات التاريخية.
ولعل الحرب الإقليمية الأخيرة قدمت مثالاً واضحاً على أهمية هذا التوازن، فقد كشفت أن الصين، رغم كونها الشريك التجاري الأكبر للمملكة، لا تزال تتجنب الانخراط في ترتيبات الأمن الإقليمي، بينما أثبتت الولايات المتحدة أنها، عندما يتعلق الأمر بمصالحها الحيوية، لا تزال مستعدة لتحمل الكلفة العسكرية والسياسية للدفاع عنها، وهذا ليس حكماً قيمياً، بل توصيفاً لطبيعة توزيع القوة في النظام الدولي؛ إذ يختلف النفوذ الاقتصادي عن القدرة على إنتاج الأمن، كما تختلف التجارة عن الردع.
ولهذا، فإن الاتفاق النووي لا يعكس انحيازاً سعودياً لمحور ضد آخر، بقدر ما يجسد فلسفة سعودية جديدة في إدارة العلاقات الدولية، قوامها بناء أكبر هامش ممكن من الخيارات، دون التفريط في الشراكة مع القوة العسكرية الأكثر تأثيراً في العالم.
أما اقتصادياً، فإن السؤال الذي يتكرر حول جدوى الطاقة النووية في دولة تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات النفط في العالم، ينطلق من تصور تقليدي لدور النفط في الاقتصاد الحديث، فالمعادلة السعودية اليوم لم تعد قائمة على استهلاك النفط محلياً لإنتاج الكهرباء، وإنما على تعظيم قيمته المضافة عبر التصدير والصناعات التحويلية، مع توفير مصادر بديلة ومستدامة للطاقة.
وفي هذا السياق، لا يمثل البرنامج النووي مشروعاً لإنتاج الكهرباء فحسب، بل منصة لتطوير الصناعات المتقدمة، والتطبيقات الطبية، والبحث العلمي، والهندسة النووية، وسلاسل الإمداد الصناعية، وهي جميعها قطاعات تستهدفها “رؤية 2030” باعتبارها مكونات لاقتصاد ما بعد النفط.
أما الحديث عن ارتفاع تكلفة المشاريع النووية، فهو صحيح من حيث المبدأ، لكنه يصبح مضللاً إذا جرى فصله عن السياق السياسي. فالتجربة الإيرانية تقدم مثالاً واضحاً على أن تكلفة البرنامج النووي لم تكن في المفاعلات نفسها، وإنما في القرارات السياسية التي أحاطت به، وتشير تقديرات “كارنيغي” إلى أن طهران تكبدت خسائر هائلة نتيجة العقوبات والعزلة الدولية وارتفاع تكاليف الإنشاء السري وسلاسل التوريد، وهي أعباء ارتبطت بطبيعة البرنامج وأهدافه، لا بالتكنولوجيا النووية ذاتها.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين النموذجين، فالمملكة تسعى إلى برنامج معلن، يخضع للرقابة الدولية، ويرتبط بالتنمية الاقتصادية ونقل التقنية، بينما ارتبط البرنامج الإيراني، في نظر المجتمع الدولي، باعتبارات الردع العسكري وتوسيع النفوذ الإقليمي، وهو ما جعل البيئة السياسية المحيطة به مختلفة تماماً.
ويزداد هذا المشروع أهمية مع ما أعلنته المملكة من اكتشافات واعدة لخام اليورانيوم، بما يمنحها فرصة لتطوير دورة وقود وطنية تدعم استدامة البرنامج، وتنسجم مع سياسة تعظيم الاستفادة من الثروات التعدينية، التي أصبحت أحد أعمدة التحول الاقتصادي السعودي.
ورغم ذلك، يبقى البعد الأمني حاضراً بقوة في أي نقاش حول الطاقة النووية في الشرق الأوسط، فالمشكلة ليست في التقنية، وإنما في البيئة الاستراتيجية التي ستعمل فيها. والمنطقة لا تشبه شمال أوروبا أو شرق آسيا؛ فهي تعيش واحداً من أعلى معدلات التوتر الجيوسياسي في العالم، فيما يظل احتمال امتلاك إيران لقدرات نووية عسكرية هاجساً مشروعاً لدى دول الإقليم.
ومن هنا، فإن البرنامج النووي السعودي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره بداية سباق تسلح، بل بوصفه جزءاً من استراتيجية وطنية أوسع لتعزيز عناصر القوة الشاملة للدولة، فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس فقط بحجم الجيوش أو احتياطيات النفط، بل بامتلاك المعرفة، والتكنولوجيا، والقدرة على إنتاج الطاقة، وبناء الشراكات التي تمنح الدولة استقلالية القرار ومرونة الحركة.
لهذا، فإن الاتفاق النووي السعودي - الأميركي لا يمثل مجرد عقد تجاري، ولا تحالفاً أيديولوجياً جديداً، بل يعكس إدراكاً متبادلاً بأن إعادة تشكيل الشرق الأوسط لن تقوم على منطق الصفقات المؤقتة، وإنما على بناء مصالح استراتيجية طويلة الأجل، تتقاطع فيها التنمية مع الأمن، والسيادة مع التكنولوجيا، والدبلوماسية مع ميزان القوى.










































