اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦
رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وتبادل فتح السفارات، استكمال الاتفاقات بشأن حماية الاستثمار ومنع الازدواج الضريبي، واستئناف الرحلات الجوية المباشرة، ذلك ما اتفق عليه المغرب وإسرائيل برعاية أمريكية مؤخرا. فما هي مبررات هذا التوجه في هذا الوقت بالذات؟
ترى مراكز القرار في الرباط أن قاعدة هذه العلاقة، قد رسمها الاتفاق الثلاثي الذي تم توقيعه في عام 2020، بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، الذي بموجبه كانت هناك علاقات بين الرباط وتل أبيب، لمناقشة مجموعة من القضايا ذات الطابع الاستراتيجي بين الدول الثلاث، على اعتبار أن العلاقات المغربية الامريكية هي علاقة استراتيجية. وبمرور الوقت أصبحت العلاقات بين الأطراف الثلاثة ذات أبعاد جيوستراتيجية، خاصة في ما يتعلق بالأمن في دول الساحل الافريقي والصحراء، ومجموعة من الملفات ذات الاهتمام المشترك، والمصالح البينية. وخلال السنوات الست الماضية من عمر الاتفاق، بات من المقبول نقل العلاقة المغربية الإسرائيلية من مستوى إدارة العلاقة إلى مستوى المأسسة، برفع التمثيل الدبلوماسي، وفتح سفارتين وتعيين سفراء، إلى جانب تطوير مجموعة من الشراكات الاستراتيجية.
اما المبرر الآخر الذي تراه مراكز القرار المغربي، أنه مُقنع في رفع مستوى العلاقة بين المغرب وإسرائيل، هو أن للمغرب رؤية استراتيجية عند الحديث عن العلاقات ما بين الدول، فالرباط ترى أن من مصلحتها التفاعل مع الجميع، وخلق شبكات من التحالفات المتينة مع أي طرف، بعد أخذ الوقت الكافي لدراسة المواضيع ضمن اعتباراته الاستراتيجية، ولا يأخذ الأمور بشكل ظرفي، أو بروتوكولي. كما أنه يسمح للوقت بإنضاج هذه العلاقة، ويقرأ بتمعن جميع تمثلات هذه العلاقة على المستوى الاستراتيجي والمستوى الدولي. وعليه فإن المغرب يقول اليوم، إن كل هذه قد نضجت، والسنوات الست كانت كافية لرفع مستوى العلاقات بينه وبين إسرائيل، إلى جانب قراءته لمجموعة من المتغيرات في المجال الإقليمي وداخل القارة الافريقية. مع الأخذ بنظر الاعتبار أن المغرب حريص كل الحرص على حل الدولتين كما يقول.
إن الوقائع تشير إلى أن إسرائيل أصبحت من كبار مزودي المغرب بالأسلحة، حيث تأتي الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية وفقا لبيانات SIPRI للفترة 2021-2025. كما يسعى المغرب لأن يكون دولة افريقية رائدة في مجال الاستخبارات السيبرانية، بالاعتماد على المُعدات التي تنتجها إسرائيل. كما أن من يبحث في العلاقات الاقتصادية المغربية الإسرائيلية يجد انه في عام 2021، كان التبادل التجاري بينهما لا يتعدى 20 مليون دولار، في حين أن العام الماضي شهد ارتفاعا في هذا المنسوب إلى 118 مليون دولار. وعليه فإن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين الرباط وتل أبيب كان متوقعا، لكن الأمر ظل مُعلقا بسبب محاولة المغرب تأخير أو تأجيل هذه الخطوة، وكان يربطها بتحسن المناخ الإقليمي والدولي، خاصة أن الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، جعلت من الصعب على صانع القرار المغربي التقدم نحوها، لكن في الوقت نفسه كان إقرار هذه الخطوة في هذا الوقت بالذات قد شكّل مفاجأة أيضا، فالسياق الحالي الذي يعيشه المغرب، بعد كل الذي جرى في غزة، والسياق الانتخابي الحالي في الشارع المغربي، حيث هناك عدة أحزاب تطرح هذا الموضوع في برامجها الانتخابية ونقاشاتها السياسية، وكلها تقترح تعليق العلاقات بين المغرب وإسرائيل، جاءت المفاجأة بالحضور الشخصي لوزير الخارجية المغربي إلى جانب نظيره الإسرائيلي في نيويورك، والإعلان عن رفع مستوى العلاقات بين الطرفين، بطريقة شعر فيها الكثير من المغاربة بالمرارة، خاصة أن السلطات المغربية لم تُعلق على القرار، بل إن وزير الخارجية نفسه لم يتحدث عن هذا القرار، بينما الوزير الإسرائيلي تكلم عن ذلك.
إن ما يجب التذكير به في هذا المجال، أن عملية التوقيع على عودة وإحياء العلاقات الرسمية بين المغرب وإسرائيل، كانت قد تمت في ولاية الحكومة السابقة. وكان الحزب الذي يقود الحكومة حينها قد دفع ثمنا غاليا، حيث انهارت مقاعده في البرلمان من 125 مقعدا إلى 13 مقعدا فقط، وظل هذا الحزب يدفع ثمن هذه الخطوة إلى غاية الآن. واليوم هذا الحزب نفسه يقود حملته الانتخابية تحت شعار، إن عودته إلى الحكومة تعني مناهضته للتطبيع، وإنه سيحارب كل تقارب مع إسرائيل. كما أن هناك أحزابا يسارية في تحالف اليسار، جاءت برامجها الانتخابية بوعود محاربة التطبيع وتجميده. واليوم ومع التقدم في العلاقات إلى مستوى آخر بين الرباط وتل أبيب، في هذه اللحظة من موعد الانتخابات في المغرب، فإن اثرها سيكون مباشرا وبقوة على العملية الانتخابية، وسيتمثل بالمزيد من العزوف عن المشاركة. وهذه بالمناسبة ليست مرتبطة فقط بالقضية الفلسطينية، بل هنالك حالة عامة من الإحباط عند المغاربة، على اعتبار أن القرارات الاستراتيجية الكبرى، تُتخذ بعيدا عن استشارة الناس وأخذ رأيهم بعين الاعتبار.
أما بالنسبة لإسرائيل فإن التوقيت مثير للانتباه، خاصة أن زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى الأمم المتحدة كانت غير مُعلنة. كما أن هناك انتخابات إسرائيلية قريبة في ظل أزمة داخلية كبيرة، بسبب الحرب المستمرة في غزة ولبنان وساحات أخرى. في هذا السياق فإن أي إنجاز دبلوماسي وسياسي، سيخدم مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في السباق الانتخابي، خاصة مع الإنجازات القليلة جدا في الفترة الأخيرة، حيث تجد إسرائيل نفسها في عزلة عن الساحة الدولية، مع أكبر حلفائها في أوروبا والولايات المتحدة، وفقدت الكثير من رأسمالها السياسي في العالم. قد يمكن تسويق الحدث في الداخل الإسرائيلي في ظل انتخابات الكنيست، على أنه انتصار في ظل المشاكل الداخلية، لكنه سيبقى مجرد إنجاز متواضع في داخل إسرائيل بالنظر إلى حجم التعقيدات الداخلية.
إن التركيز على منطوق البيان المشترك بين المغرب وأمريكا وإسرائيل، يبدو واضحا أن هناك عددا من المتغيرات، التي لم يأخذها صُنّاع البيان بعين الاعتبار، فهناك على مستوى الرأي العام في المغرب، كان تأييد التطبيع مع إسرائيل بنسبة 31%، وبعد غزوة السابع من أكتوبر، وما حدث من حرب إبادة جماعية في قطاع غزة، تقلصت النسبة إلى 13% فقط، لكن البعض يقول إن العلاقات الاستراتيجية بين الدول من يحددها هو ما يسمونه (العقل الاستراتيجي) للدولة، حيث هو الذي يقرر المصالح والتوازنات الدولية، ويعرف مصالح الدولة الاستراتيجية، لكن المفارقة الكبرى هي أن المغرب سيفتح سفارة إسرائيل في الرباط، بينما إسبانيا ستفتح سفارة فلسطين في مدريد.












































