اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٥ أيلول ٢٠٢٦
أعلنت الحكومة الأردنية - كعادتها بشكل مفاجئ- عن إطلاق ناطق رقمي باسمها أُطلق عليه «فرح»، وهو شخصية افتراضية تعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي تهدف إلى شرح القرارات الحكومية والسياسات العامة للمواطنين بأسلوب مبسط.
لكن هذه الخطوة تطرح سؤالاً جوهرياً : إذا تحدثت آلة باسم الحكومة فمن المسؤول عن خطابها؟! , وهل يمكن للحكومة أن تحتمي خلف الخوارزميات وتتبرأ من تبعات ما يصدر عن ناطقها الرقمي؟!
سنحاول الاجابة من خلال القانون الاسلامي الدستوري والمدني والجزائي
أولاً: الناطق الرقمي.. أداة لا مكلَّف
في التشريع الإسلامي تقوم المسؤولية على ركن أساسي هو الأهلية وهي صفة لا تتحقق إلا في الإنسان المكلّف: العاقل البالغ المدرك لحسن الأفعال وقبحها.
أما الذكاء الاصطناعي ومنه «فرح»، فهو خارج دائرة الأهلية تماماً لأنه لا يعقل بالمعنى الشرعي ولا يدرك حسن الخطاب وقبحه ولا يميز بين الطاعة والمعصية ,ولهذا تؤكد دائرة الإفتاء الأردني أن 'الآلة لا ذمة لها'، وأن المسؤولية تعود إلى 'من أمسكها أو أرسلها'.
ففرح ببساطة ليست شخصاً قانونياً ولا تملك أهلية الوجوب أو الأداء بل هي أداة تقنية سخّرتها الحكومة, والمسؤولية كلها تقع على من شغّلها واستفاد من مخرجاتها.
ثانياً: فقه الإسناد.. لمن ينسب الفعل؟
العبرة ليست بمن باشر الفعل مادياً وإنما بمن أسند إليه الفعل شرعاً وقانوناً، وبمن يملك سلطة إنشاء الفعل أو الإذن به أو الرقابة عليه.
فالآلة لا تعمل من تلقاء نفسها في فراغ , فهناك من صممها ومن اختارها، ومن أدخل البيانات إليها، ومن حدد مصادر معلوماتها، ومن منحها الصلاحية، ومن قرر أن تتحدث باسم الحكومة، ومن يستطيع إيقافها أو تعديل عملها.
فإذا تكلمت فرح بلسان الحكومة فإن السؤال الأصح هو: مَن جعل هذه الكلمات خطاباً رسمياً للدولة؟! , والجواب واضح: الجهة الحكومية التي اعتمدت النظام وأطلقته بهذه الصفة.
ثالثاً: الحكومة بين المباشرة والتسبب
في الفقه الإسلامي , المباشر هو مَن أحدث الفعل بذاته وهو ضامن وإن لم يتعمد.
والمتسبب هو مَن أحدث الفعل بواسطة , ولا يضمن إلا إذا ثبت تفريطه.
تطبيقاً على فرح فإن الحكومة تجمع بين الوصفين معاً:
• مباشرة بوصفها من شغّلت النظام، وحددت بياناته، وأقرت مخرجاته.
• متسببة بوصفها من صممت النظام وحددت صلاحياته، فإذا صدر عنه ضرر بسبب خلل في التصميم أو البيانات، كانت الحكومة سبباً فيه.
وهذا يعني أن الحكومة لا تستطيع التملص من المسؤولية بالاحتماء خلف الخوارزميات لأنها هي صاحبة القرار والإشراف،وهي المستفيد الأول من خدمة 'فرح'
رابعاً: المسؤولية المدنية والجزائية
تقوم المسؤولية المدنية في الفقه الإسلامي على قاعدة 'لا ضرر ولا ضرار' و'من اتلف مال غيره فهو ضامن' , وتطبيقاً على «فرح» فإن الحكومة مسؤولة عن كل ضرر مادي أو معنوي يلحق بالمواطنين بسبب خطأ في تصريحات ناطقها الرقمي.
أما المسؤولية الجزائية فإنها تنتقل إلى الجهة البشرية التي شغّلت النظام:
• إذا صدر عن «فرح» ما يشكل جريمة عمدية (كالقذف أو نشر معلومات مضللة)، فتقع المسؤولية على المسؤولين الحكوميين الذين أمروا بذلك أو أقروه.
• إذا كان الخطأ ناتجاً عن إهمال في الرقابة فيدخل المشرفون في باب 'التسبب مع التفريط' وهو ما يستوجب العقاب التعزيري.
• إذا كان الخطأ نادراً وغير متوقع ولم يثبت تقصير بشري فتسقط المسؤولية الجزائية، مع بقاء المسؤولية المدنية على جهة الضمان.
خامساً: المسؤولية الدستورية والسياسية
المسؤولية الدستورية في التشريع الإسلامي ترتبط بمفهوم البيعة والسياسة الشرعية، إذ يُعد ولي الأمر ومَن يفوضه بمهامه مثل الحكومة والوزراء مسؤولاً أمام الله ثم أمام الأمة عن كل ما يصدر عن دولته.
وتتجلى هذه المسؤولية في مستويين:
المستوى الأول: المسؤولية السياسية، وهي مسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب والشعب عن أداء ناطقها الرقمي. فإذا ثبت أن «فرح» تسببت بتضليل واسع للرأي العام، فإن ذلك يُعد إخلالاً بواجب الحكومة، ويوجب مساءلة الوزراء المختصين.
المستوى الثاني: المسؤولية القضائية، وهي مسؤولية الحكومة أمام القضاء الدستوري أو الإداري عن مخالفة النظام العام أو مبدأ الشفافية , فإذا صدر عن «فرح» ما يُعد اعتداءً على حقوق المواطنين الدستورية، جاز الطعن في قرارات الحكومة ذات الصلة أمام المحاكم المختصة.
وهذا التوصيف يضع الحكومة في قلب المسؤولية ولا يترك لها أي مجال للاحتماء بالتقنية لأن وسائل الإعلام الرقمية تبقى تابعة لإرادة ولي الأمرأو مَن يفوضه ، وتخضع لمبدأ 'الراعي مسؤول عن رعيته'.
سادساً: السياسة الشرعية وتقييد المباح
في إطار السياسة الشرعية يُعد إطلاق «فرح» من قبيل تقييد المباح وهو من صلاحيات ولي الأمر او مَن يفوضه , لكن هذه الصلاحية ليست مطلقة بل مقيدة بضوابط:
• ألا تخرج على الحقائق الشرعية المعتبرة، فلا يجوز لولي الأمر أن يمنح «فرح» شخصية اعتبارية أو أهلاً للترخيص أو العقاب.
• أن تكون المصلحة هي الموجه، فلا يُقيد المباح إلا لتحقيق مصلحة شرعية راجحة.
• ألا يصل إلى حد تحريم الحلال أو تحليل الحرام.
وفي ضوء ذلك على الحكومة أن تنظم استخدام «فرح» بضوابط واضحة تحدد درجة حجية مخرجاتها، وتضع بروتوكولات للخلاف بين النظام والمسؤول البشري، وتضمن الشفافية والمراقبة، وتبقي الإنسان في حلقة القرار.
سابعاً: توزيع المسؤولية عند الخطأ
يمكن تصور أربعة سيناريوهات:
السيناريو الأول: خطأ الحكومة مباشرة، وفيه يكون الضرر صادراً عن قرار بشري صريح، وتستقر المسؤولية كاملة على الحكومة والمسؤولين المباشرين.
السيناريو الثاني: خطأ النظام وحده، وفيه يثبت أن الخطأ ناتج عن خلل برمجي مع تقيد الطاقم البشري بالبروتوكولات , وهنا تنتقل المسؤولية المدنية إلى الشركة المصنعة، وتُسقط المسؤولية الجزائية عن الحكومة ما لم يُثبت عليها تفريط.
السيناريو الثالث: خطأ مشترك، وفيه يتداخل الفعل البشري والتقصير التقني، وتوزع المسؤولية بنسب يحددها خبراء وفق قاعدة 'مَن باشر ومَن تسبب'.
السيناريو الرابع: ضرر لا خطأ فيه، كحالات سوء الفهم من الجمهور مع وضوح المعلومة، أو استجابة غير متوقعة , وفي هذا السيناريو تسقط المسؤولية عن الجميع، ويعوض المتضرر من بيت المال .
ثامناً: قاعدة لا تجعلوا الذكاء الاصطناعي ستاراً للمسؤولية
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في عصر الذكاء الاصطناعي ليس أن تخطئ الآلة فالآلات تخطئ والبشر يخطئون , الخطر الحقيقي أن تتحول الآلة إلى ستار تختبئ خلفه المسؤولية البشرية.
فالآلة لا تملك ولاية ولا إرادة قانونية مستقلة ولا مالاً تدفع منه التعويض، ولا منصباً تسحب منه الثقة، ولا يمكن أن تمثل أمام البرلمان.
ومن ثم فإن إدخالها في العمل الحكومي لا يجوز أن يؤدي إلى فراغ في المسؤولية.
تاسعاً: بين الناطق الرقمي والناطق الرسمي
هناك فرق ينبغي الانتباه إليه , إذا كان النظام مجرد وسيلة لإنتاج مادة إعلامية تحت إشراف موظف حكومي فهذه حالة , أما إذا قدمته الحكومة للمواطنين بوصفه ناطقاً رسمياً باسمها فهذه حالة أخرى.
في الحالة الثانية تتعاظم مسؤولية الجهة التي منحته هذه الصفة لأن المواطن لا يتعامل مع شخصية افتراضية مجهولة وإنما مع واجهة رسمية للدولة , وكلما زادت الثقة التي تمنحها الدولة للأداة زادت مسؤوليتها عن ضمان صحة ما يصدر عنها.
الناطق الرقمي «فرح» ليس شخصاً مكلّفاً بل أداة مسخّرة والمسؤولية عنها – مدنية وجزائية ودستورية – تقع بالكامل على الحكومة بوصفها المباشر والمتسبب ولا حصانة لها خلف تلك الخوارزميات.
وعلى الحكومة في إطار سياستها الشرعية وضع إطار تنظيمي واضح لاستخدام «فرح»، يحدد درجة حجية مخرجاتها ويضبط بروتوكولات الخلاف ويكفل الشفافية مع ضمان بقاء الإنسان في دائرة القرار.
من هنا فلا بد من العمل على :
1. إنشاء لجنة وطنية للإشراف على اعتماد الأنظمة الذكية في الاتصال الحكومي، تضم فقهاء وقانونيين وتقنيين وإعلاميين.
2. تحديد درجة حجية مخرجات الناطق الرقمي بوضوح وشفافية، وإعلان ذلك للجمهور.
3. إلزام المؤسسات الحكومية بوضع بروتوكولات واضحة لحالة الخلاف بين المسؤول ومخرجات النظام، مع توثيق أسباب المخالفة.
4. ضمان بقاء الإنسان في حلقة القرار، وعدم تحويله إلى مجرد ختم إلكتروني.
5. التوعية المستمرة للمواطنين بأن الذكاء الاصطناعي أداة لا شريك في القرار، وأن المسؤولية النهائية تبقى للحكومة وحدها.
توظيف الذكاء الاصطناعي في الاتصال الحكومي نعمة عظيمة إذا سُخِّر لله وفي خدمة الناس، لكنه يتحول إلى نقمة إذا استُخدم لتحجيم المساءلة أو التمويه على دور الحكومة .
فلا حصانة للتقنية، ولا تبرئة للخوارزميات، والمسؤولية إنسانية في منشئها، لا تُنقل ولا تُجزَّأ.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.












































