اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٧ تموز ٢٠٢٦
لم يكن خروج منتخب البرازيل من كأس العالم مجرد نتيجة مفاجئة، بل كان رسالة جديدة تؤكد أن كرة القدم لا تعترف بالأسماء، ولا تنحني للتاريخ، وإنما تكافئ الفريق الذي يحترم تفاصيلها، ويؤدي بروح قتالية حتى صافرة النهاية. فحين ودّعت البرازيل البطولة أمام النرويج، لم يكن السبب نقصًا في المهارة أو غياب النجوم، بل غياب الروح التي صنعت أمجاد الكرة البرازيلية عبر عقود.
دخل المنتخب البرازيلي المباراة، وهو يحمل إرثًا كرويًا هائلًا، وخمسة ألقاب عالمية، وجيلًا يضم أسماء لامعة تلعب في أكبر الأندية الأوروبية، لكن كل ذلك لم يكن كافيًا أمام منتخب عرف ماذا يريد، وآمن بحظوظه، ولعب بروح الفريق الواحد. النرويج لم تنتظر هدية، ولم تخشَ الاسم الكبير، بل فرضت شخصيتها منذ البداية، وأثبتت أن الانضباط التكتيكي والإصرار قادران على إسقاط أعظم المنتخبات.
وكان المهاجم أوكلاند وزملاؤه عنوانًا لهذه الروح. لم يتوقفوا عن الركض، ولم يترددوا في الضغط، واستثمروا كل فرصة ممكنة، بينما ظهر لاعبو البرازيل وكأنهم يعتقدون أن الفوز سيأتي لمجرد ارتدائهم القميص الأصفر. ذلك الفارق الذهني هو ما حسم المواجهة قبل أن تحسمها الأقدام.
هذه المباراة تعيد إلى الأذهان حقيقة طالما كررتها بطولات كأس العالم؛ البطولة لا تكافئ من يملك التاريخ، بل من يصنع الحاضر. كم من منتخب كبير غادر مبكرًا لأنه اعتمد على سمعته، وكم من منتخب أقل شهرة كتب اسمه بحروف من ذهب؛ لأنه احترم المنافس، واحترم الجماهير، واحترم اللعبة.
والحقيقة أن هذا الدرس لا يخص البرازيل وحدها، بل ينطبق أيضًا على واقع منتخبنا الوطني في التصفيات الأخيرة. فالمشكلة لم تكن في الإمكانات أو المواهب فقط، وإنما في غياب الروح الجماعية، وضعف الشخصية داخل الملعب، وكأن المباريات ستحسم بالأسماء لا بالعطاء. لذلك جاء الخروج من أولى المحطات نتيجة طبيعية لأداء افتقد الحماس والانضباط والاستقرار الفني.
كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد على المهارة الفردية وحدها، بل أصبحت منظومة متكاملة تبدأ من التخطيط والإعداد، مرورًا بالاستقرار الفني، وانتهاءً بالعقلية التنافسية التي لا تقبل التهاون. ولهذا السبب نرى منتخبات مثل إسبانيا وفرنسا والمغرب تحافظ على حضورها القوي في البطولات الكبرى. فهذه المنتخبات لا تعتمد على جيل واحد أو نجم واحد، وإنما على مشروع طويل المدى، وهوية فنية واضحة، وعمل مؤسسي يجعل مؤشر الأداء في تصاعد مستمر،
المغرب، على سبيل المثال، لم يصل إلى مكانته الحالية بالصدفة، بل بعمل متراكم في الفئات السنية، واختيار الأجهزة الفنية المناسبة، والاستثمار في تطوير اللاعبين. وإسبانيا أعادت بناء نفسها بعد سنوات من التراجع، بينما تواصل فرنسا إنتاج المواهب عامًا بعد آخر دون أن تتأثر برحيل النجوم.
لقد خسر كأس العالم منتخبًا يحمل تاريخًا عريقًا، لكنه خسر منتخبًا تكاسل أكثر مما قاتل. وربما افتقدت البطولة شيئًا من بريقها بغياب البرازيل، إلا أنها ربحت درسًا جديدًا يؤكد أن المجد لا يُورث، وأن الألقاب السابقة لا تمنح أفضلية داخل المستطيل الأخضر
في النهاية، تبقى الرسالة الأهم، أن كرة القدم عادلة إلى أبعد الحدود؛ فهي تمنح الفوز لمن يبذل، وتمنح المجد لمن يؤمن بقدراته، وتعاقب كل من يظن أن التاريخ وحده يكفي لعبور أصعب المحطات. أما من يدخل الملعب متكئًا على أمجاد الماضي، فسيكتشف أن كرة القدم لا تحفظ سوى أسماء الذين احترموها، فأكرمتهم بالانتصار.










































