اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٧ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - في الأوقات العادية تستطيع الدول أن ترتب ملفاتها بهدوء، وأن تفصل نسبياً بين السياسة الخارجية والاقتصاد والخدمات والسياحة والاستثمار. أما عندما تعيش الدولة في إقليم تتسارع أحداثه بصورة تكاد تكون يومية، فإن المهمة تصبح أكثر تعقيداً؛ لأن حماية الحاضر لا ينبغي أن تأتي على حساب بناء المستقبل، والانشغال بالخطر الخارجي لا يجوز أن يجعل ملفات المواطن تنتظر حتى تهدأ المنطقة.
من هذه الزاوية يمكن قراءة ترؤس نائب جلالة الملك، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، جانباً من جلسة مجلس الوزراء الأربعاء. فالموضوعات التي وضعها سموه على الطاولة لم تكن محصورة في ملف واحد، بل امتدت من تداعيات التصعيد الإقليمي وسلاسل التوريد والمخزون الاستراتيجي، إلى السياحة والاستثمار وتحسين مستوى معيشة المواطنين، في مشهد يعكس طبيعة التحدي الذي يواجه الأردن اليوم: كيف تحمي الدولة نفسها من ارتدادات المنطقة، وفي الوقت نفسه لا تسمح لهذه الارتدادات بأن توقف مشروعها الداخلي؟
هذه المعادلة ربما تكون أهم من كل ملف منفرد، لأن الأردن لا يستطيع اختيار الجغرافيا التي يعيش فيها، لكنه يستطيع اختيار الطريقة التي يتعامل بها مع نتائجها.
المواطن في مقدمة الأولويات
كان لافتاً في جلسة مجلس الوزراء تأكيد ولي العهد ضرورة وضع مصلحة المواطنين في مقدمة الأولويات والعمل على تحسين مستواهم المعيشي. وهذه العبارة تكتسب أهميتها من توقيتها؛ فالتصعيد الإقليمي ليس حدثاً سياسياً بعيداً عن حياة الناس، وإنما يمكن أن يصل إلى جيب المواطن عبر كلفة الشحن والطاقة، وإلى الأسواق عبر سلاسل التوريد، وإلى السياحة عبر حركة السفر، وإلى الاستثمار عبر ارتفاع مستوى عدم اليقين.
ولهذا جاء توجيه سموه بالتعامل مع سلاسل التوريد باعتبارها أولوية وطنية، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مخزون استراتيجي من المواد والسلع الأساسية. هذه ليست تفاصيل لوجستية بقدر ما هي جزء من مفهوم الأمن الاقتصادي؛ فالدولة التي تستعد للأزمة قبل وصول آثارها إلى السوق تقل قدرتها على المفاجأة، وتحمي المواطن من أن يصبح أول من يدفع ثمن اضطراب لم يكن طرفاً فيه.
والأردن تعلم خلال أزمات متعاقبة أن الأمن لم يعد مفهوماً عسكرياً فقط. هناك أمن غذائي ومائي وطاقي واقتصادي ورقمي، وكل واحد منها يستطيع أن يمس حياة المواطن مباشرة. لذلك فإن إدارة المرحلة تحتاج إلى أن تبقى العين مفتوحة على ما يحدث خارج الحدود، بينما تبقى العين الأخرى على ما يحدث داخل البيت الأردني.
الإقليم لا ينتظر.. لكن التنمية أيضاً لا تنتظر
سهولة الخطأ في أوقات الأزمات تكمن في أن تبتلع الأزمة كل شيء. تتحول الاجتماعات إلى اجتماعات طوارئ، والموازنات إلى معالجة للمستجدات، والخطاب العام إلى حديث عن الأخطار، بينما تتراجع الملفات التي لا تبدو عاجلة.
لكن المشكلة أن التعليم والتكنولوجيا والسياحة والاستثمار وفرص الشباب لا تستطيع انتظار انتهاء أزمات الشرق الأوسط، لأننا ببساطة لا نعرف متى تنتهي.
ومن هنا تكتسب متابعة ولي العهد للملفات الداخلية دلالة إضافية. ففي الجلسة نفسها التي ناقشت تداعيات التصعيد الإقليمي، شدد سموه على ضرورة النهوض بقطاع السياحة ومعالجة التحديات الإدارية والتسويقية التي تواجهه، كما وجه الحكومة إلى متابعة جهود جلالة الملك عبدالله الثاني في فتح آفاق سياسية واقتصادية مع دول العالم والبناء عليها من خلال خطط تنفيذية مدروسة ومحددة زمنياً.
هذه النقطة تحديداً تستحق الوقوف عندها. فالزيارة الملكية أو الاتفاق أو اللقاء الدولي لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء الخبر. القيمة الحقيقية تبدأ عندما تعود الحكومة إلى عمان وتسأل: ما الفرصة التي فُتحت؟ ومن سيتابعها؟ وما المشروع الذي يمكن أن ينتج عنها؟ وما المدة اللازمة لتحويلها إلى استثمار أو سوق تصديرية أو تعاون جديد؟
بمعنى آخر، المطلوب أن تتحول الدبلوماسية إلى نتيجة اقتصادية يمكن قياسها.
ولي العهد وملف المستقبل
لكن قراءة أولويات ولي العهد لا تكتمل من جلسة واحدة. فخلال الفترة الماضية برز اهتمام متواصل بملف التكنولوجيا والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، عبر المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، الذي يتابع مشاريع في التعليم والصحة والخدمات الحكومية والاقتصاد الرقمي. وتحدثت وكالة الأنباء الأردنية في حزيران عن توجه يستهدف تعزيز موقع الأردن في الابتكار وتمكين الشباب بالمهارات الرقمية وربطهم بالاقتصاد المعرفي.
وهنا تظهر ملامح جيل جديد من الأولويات الوطنية. فالثروة التي يستطيع الأردن المنافسة بها ليست النفط أو الغاز أو المساحات الزراعية الواسعة، وإنما الإنسان الأردني، وتعليمه، ومهاراته، وقدرته على الدخول في القطاعات التي تتحرك إليها الاقتصادات العالمية.
ولذلك فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي ليس ترفاً تقنياً، ولا مجرد تحديث لشكل الخدمات الحكومية. المسألة أكبر: ما موقع الأردني في سوق العمل بعد عشر سنوات؟ وهل سيكون مستخدماً للتكنولوجيا التي ينتجها الآخرون، أم جزءاً من صناعتها وتطويرها وتصديرها؟
هذه أسئلة مستقبل، لكن الإجابة عنها تبدأ الآن.
الشباب ليسوا ملفاً جانبياً
ربما يكون من الطبيعي أن يحتل الشباب مساحة كبيرة في اهتمامات ولي العهد، لكن الأهم هو الانتقال من الحديث عن الشباب إلى تجهيزهم لاقتصاد مختلف.
فالشاب الذي يدخل الجامعة اليوم قد يتخرج إلى سوق عمل تغيرت فيه وظائف كاملة بفعل الذكاء الاصطناعي والأتمتة، ولذلك لم يعد كافياً أن نمنحه شهادة. المطلوب أن يمتلك المهارة والقدرة على التعلم والتكيف والمنافسة.
وهذا هو الرهان الحقيقي على التكنولوجيا: ألا تكون مجموعة تطبيقات جديدة فقط، بل وسيلة لإنتاج فرص اقتصادية جديدة.
فعندما يلتقي ولي العهد شركات تكنولوجية عالمية، أو يتابع مشاريع المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، فإن الاختبار النهائي لأي جهد من هذا النوع يجب أن يكون بسيطاً: كم فرصة ستصل إلى الأردني؟ وكم مهارة جديدة سيكتسبها؟ وكم شركة يمكن أن تنشأ؟ وكم خدمة ستصبح أفضل؟ وقد سبق أن بحث سموه مع شركات عالمية فرص التعاون في التكنولوجيا والصناعات المتقدمة وتطوير المهارات الرقمية للأردنيين.
السياحة أيضاً أمن اقتصادي
توقف ولي العهد في جلسة مجلس الوزراء عند السياحة، داعياً إلى النهوض بالقطاع ومعالجة تحدياته الإدارية والتسويقية.
وقد يبدو هذا الملف بعيداً عن التصعيد الإقليمي، لكنه في الحقيقة أحد أكثر القطاعات حساسية تجاهه. فعندما يرى السائح في أوروبا أو آسيا أخبار الصواريخ والحروب في الشرق الأوسط، قد لا يميز دائماً بين دولة وأخرى، وقد يتخذ قراراً بإلغاء رحلة إلى الأردن رغم أن المواقع السياحية والمطارات والفنادق تعمل بصورة طبيعية.
ولهذا فإن حماية السياحة لا تكون فقط بالإعلان عن البتراء ووادي رم والبحر الميت، وإنما بإدارة صورة الأردن خارجياً، وتسهيل تجربة السائح داخلياً، وتحسين التسويق والطيران والخدمات، وإزالة العقبات الإدارية التي تعيق القطاع.
كل سائح يأتي إلى الأردن يحمل معه إنفاقاً يدخل إلى الفندق والمطعم وسيارة النقل والمتجر والدليل السياحي والمجتمع المحلي. لذلك فإن السياحة ليست ملفاً ترفيهياً؛ إنها سلسلة اقتصادية تصل إلى آلاف الأسر.
قوة الدولة في قدرتها على العمل في مسارين
التحدي الذي يواجه الأردن اليوم ليس الاختيار بين الأمن والتنمية، ولا بين التعامل مع الإقليم والاهتمام بالداخل. الدولة مطالبة بالاثنين معاً.
أن تكون قواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية مستعدة لحماية المواطنين، وفي الوقت نفسه تعمل الحكومة على الاقتصاد والسياحة والاستثمار.
أن تحتفظ بمخزون استراتيجي تحسباً لأي اضطراب، وفي الوقت نفسه تستثمر في التكنولوجيا التي ستشكل اقتصاد المستقبل.
أن تراقب حدودها وسماءها، وفي الوقت نفسه تراقب فرص شبابها.
وقد أعرب ولي العهد خلال جلسة مجلس الوزراء عن تقديره لجهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في الحفاظ على أمن المواطنين وسلامتهم، بالتوازي مع توجيهاته المتعلقة بالاقتصاد والخدمات والسياحة وسلاسل التوريد.
وهذه الصورة تلخص المعادلة: الأمن يحمي مسيرة التنمية، والتنمية تمنح الأمن معناه الاجتماعي والاقتصادي.
من المتابعة إلى التنفيذ
لكن هناك نقطة يجب أن تبقى حاضرة في أي قراءة إيجابية وجادة: التوجيه والمتابعة يكتسبان قيمتهما النهائية عندما يتحولان إلى تنفيذ.
عندما يوجه ولي العهد إلى خطط تنفيذية مرتبطة بأطر زمنية، تصبح المسؤولية بعد ذلك على الجهاز الحكومي. المواطن لا يستطيع قياس الاجتماع، لكنه يستطيع قياس النتيجة. يعرف إن تحسنت الخدمة، وإن انخفض وقت المعاملة، وإن جاءت فرصة عمل، وإن ارتفع عدد السياح، وإن بقيت السلع متوافرة وقت الأزمة.
وهنا يمكن أن تكون متابعة ولي العهد عاملاً مهماً في دفع الجهاز التنفيذي إلى الانتقال من الخطط إلى النتائج، خصوصاً عندما يكون معيار النجاح واضحاً وقابلاً للقياس.
فالأردن لا يعاني من نقص الأفكار، ولا من نقص الدراسات أو الخطط. التحدي الدائم هو سرعة التنفيذ، واستمراريته، وقدرة المؤسسات على تحويل الرؤية إلى شيء يراه المواطن في حياته.
عين على اليوم.. وأخرى على الغد
ربما تكون هذه هي الصورة الأوضح للدور الذي يظهر في تحركات ولي العهد خلال هذه المرحلة.
هناك حاضر إقليمي لا يمكن تجاهله؛ صراعات وحروب واضطرابات في طرق التجارة وأسواق الطاقة وحركة السياحة. وهناك في المقابل أردن يجب أن يستمر في البناء مهما طال اضطراب المنطقة.
ولهذا فإن النجاح لا يكون فقط في حماية المملكة من ارتدادات الأزمة الحالية، بل في ألا نستيقظ بعد انتهائها لنكتشف أن العالم تقدم سنوات بينما كنا منشغلين بإدارة الأزمة.
التكنولوجيا لا تنتظر.
والاستثمار لا ينتظر.
والسياحة لا تنتظر.
والشباب الذين يدخلون سوق العمل كل عام لا يستطيعون الانتظار.
ومن هنا تبدو معادلة ولي العهد واضحة في الملفات التي يتابعها: التعامل مع تحديات اللحظة، من دون السماح لها بأن تصادر المستقبل.
فالأردن بحكم موقعه سيبقى قريباً من أزمات المنطقة، وقد تتغير طبيعتها وأطرافها، لكن الأولوية التي يفترض ألا تتغير هي الإنسان الأردني: أمنه، معيشته، فرصته، تعليمه، ومستقبله.
وهذا ما يمنح عنواننا معناه الحقيقي:
ولي العهد.. عين على تحديات الإقليم وأخرى على أولويات الأردنيين
فالقيادة في زمن الأزمات لا تعني أن تنظر إلى الخطر وحده، بل أن ترى ما وراءه أيضاً؛ أن تحمي ما تحقق اليوم، وفي الوقت نفسه تواصل بناء ما يحتاجه الأردن غداً.












































