اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د.محمد بن مفلح
قد تبدأ علاقة إنسان بالسعودية بسؤال يكتبه على هاتفه. يسأل عن ثقافتها، أو فرص الاستثمار فيها، أو تجربة الحج والعمرة، أو حضور بطولة رياضية، فتأتيه إجابة يصوغها الذكاء الاصطناعي خلال ثوانٍ. يقرأها، ويكوّن انطباعًا، وربما يتخذ على أساسها قرارًا. وبين السؤال والقرار، تحضر مسألة تستحق اهتمامنا: من أين جاءت المعرفة التي قدّمت له وطننا؟
اعتدنا أن نفكر في حضور الدول من خلال أخبارها وصورها ورسائلها إلى العالم. واليوم، تضاف إلى ذلك إجابات تولّدها أنظمة تجمع المعلومات وتعيد صياغتها. وقد تحمل هذه الإجابات معرفة دقيقة وحديثة، وقد تختصر مجتمعًا متنوعًا في معلومات ناقصة أو قديمة. لذلك أصبح من المهم أن نهتم بالمصادر التي يستطيع الآخرون الوصول إليها حين يسألون عن السعودية.
وهنا تبرز الدبلوماسية الرقمية السعودية بوصفها مجالًا يتصل بتقديم المملكة للعالم، والتواصل مع شعوبه، وبناء الفهم والثقة. ومع استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث عن المعلومات، يتسع الاهتمام ليشمل المصادر التي تستند إليها إجاباته عن السعودية. ومن هذا الباب، يمكن للصحف والمؤسسات والأفراد الإسهام في المعرفة الداعمة لهذا الحضور، عبر محتوى موثوق ومتجدد ومتعدد اللغات.
ولهذا الاهتمام أساس علمي. ففي دراسة منشورة عام 2020 بمؤتمر (NeurIPS)، اختبر باحثون ربط نموذج لغوي بمقاطع مسترجعة من ويكيبيديا، وسجلوا تحسنًا في أداء مهام معرفية وفي الدقة الواقعية للنصوص، مقارنة بالنموذج المستخدم للمقارنة. وتكشف هذه النتيجة أهمية المصدر الذي يستند إليه النظام عند بناء الإجابة.
وفي دراسة (GEO) المنشورة عام 2024، اختبر الباحثون أثر تعديلات على المحتوى، شملت إضافة المصادر والإحصاءات والاقتباسات، ووجدوا تحسنًا في مقاييس حضوره داخل الإجابات التوليدية وصل إلى 40% في تجاربهم. وتبقى النتيجة محكومة بظروف الاختبار؛ فتجربتهم على إحدى الأدوات التجارية استخدمت ملفات محددة زُوّدت بها، ولم تقس أثر النشر في صورة دولة أو اتجاهات جمهورها.
ما تثبته هذه الأبحاث هو أن تحسين المادة المعرفية وإتاحتها للنظام قد ينعكسان على إجاباته. أما انتقال هذا التحسن إلى فهم أعمق للمملكة وثقة أكبر بها، فيحتاج إلى اختبار مستقل. كذلك، لا يعني نشر مقال أن جميع النماذج ستتعلم منه، ولا يعني تصحيح إجابة في محادثة أنها صُححت لدى كل المستخدمين.
هذه الدقة ضرورية كي نبني عملًا نعرف ما ننتظره منه، وكيف نقيسه. والفرصة أمامنا واضحة: إنتاج معرفة أصيلة عن السعودية، بلغات يفهمها جمهورها، وإتاحتها بصورة تسهّل اكتشافها والتحقق منها وتحديثها.
للصحف في هذا المجال دور يتجاوز عمر الخبر اليومي. فتحقيق صحفي موثق، أو مقابلة تكشف تجربة، أو ملف يشرح تحولًا، يمكن أن يظل مصدرًا يعود إليه القارئ والباحث. وتزداد قيمة هذا الرصيد حين يكون أرشيفه قابلًا للبحث، ومراجعه ظاهرة، وتحديثاته واضحة، وتتوفر منه مواد مختارة بلغات أخرى. فالقارئ البعيد يحتاج إلى من يشرح له دلالة الحدث وسياقه، إلى جانب إخباره بوقوعه.
وتملك سعوديبيديا، بوصفها مرجعية وطنية للتوثيق، موقعًا مهمًا في هذه المنظومة المعرفية. ومن المسارات الجديرة بالاختبار ربط محتوى مناسب منها بمساعدات تجيب عن أسئلة تتعلق بالمملكة، ثم قياس صحة الإجابات وشمولها وسلامة استشهاداتها. بذلك يصبح الحديث عن دور الموسوعة في الذكاء الاصطناعي قائمًا على نتائج قابلة للفحص.
ويمتلك القطاع غير الربحي مادة لا تقل أهمية؛ ففي تجاربه تفاصيل عن قيم المجتمع وتعاونه ومبادراته في التعليم والثقافة والتطوع وخدمة الإنسان. وحين تتحول هذه الخبرات إلى تقارير تشرح ما تحقق وكيف قيس، فإنها تضيف معرفة تتجاوز التعريف بالمؤسسة إلى فهم المجتمع نفسه. وتستطيع الجامعات والشركات إثراء هذا الرصيد بأبحاثها وبياناتها المنشورة وتجاربها المعتمدة.
أما الفرد، فليس بعيدًا عن هذا الدور. يستطيع كل شاب وشابة أن يختار موضوعًا يحبه ويعرفه، ويؤسس مدونة متخصصة تقدمه للعالم: الثقافة السعودية وقيم المجتمع، والفعاليات الكبرى، وكأس العالم وكأس آسيا، وفرص الاستثمار، وتجربة الحج والعمرة والزيارة. ويتحول الاهتمام إلى إسهام حين يجد القارئ فيه جوابًا واضحًا عن سؤال يشغله.
يمكن للمهتم بالرياضة أن يعرّف الزائر بثقافتنا ومدننا إلى جانب الحدث الرياضي، وللمهتم بالاستثمار أن يشرح القطاعات والفرص بالاستناد إلى مصادرها الرسمية، ولمن يكتب للحجاج والمعتمرين أن يبسّط المعلومات المعتمدة ويربطها بجهاتها المختصة. ويمنح التخصص الكاتب فرصة للتعمق، كما يمنح القارئ سببًا للعودة إليه.
والبداية ممكنة دون خبرة برمجية: سؤال محدد، ومصادر موثوقة، وإجابة جيدة. بعد ذلك يأتي دور الذكاء الاصطناعي مساعدًا في التنظيم والتحرير والترجمة. يمكن أن نطلب منه الالتزام بالمراجع، وشرح المصطلحات للقارئ غير السعودي، وتحديد المعلومات التي تحتاج إلى تحقق. ثم نراجع الناتج، ونتأكد من الأسماء والأرقام والتواريخ، ونستعين بمن يتقن لغة الجمهور، قبل نشر المادة وتولي مسؤوليتها.
وقد تكون مدونة متقنة بلغتين بداية كافية. فالتوسع يحتاج إلى قدرة على المراجعة والتحديث، خصوصًا في المعلومات المتغيرة. والأهم أن تصل التجربة السعودية بمعناها وسياقها؛ فالترجمة الجيدة تساعد القارئ على فهم ما قد يبدو بديهيًا لدينا وغامضًا لديه.
وهنا تتسع الفرصة لمبادرات وجمعيات متخصصة في القطاع غير الربحي، تجمع الكتّاب والمترجمين والمتطوعين، وتدربهم على البحث والتوثيق، وتراجع إنتاجهم وتدعم استمراره. ويمكن لهذه الجهود أن تبني شبكة من المدونات المتكاملة، لكل منها تخصص وجمهور ومسؤول عن التحديث، فتتسع المعرفة المتاحة عن المملكة دون أن تفقد دقتها.
ولكي تجد هذه المعرفة طريقها إلى القارئ، ينبغي نشرها في صفحات واضحة العناوين، متاحة نصيًا، مرتبطة بمصادرها، مع تطبيق أساسيات تحسين الظهور في محركات البحث (SEO). وتؤكد إرشادات جوجل لميزات البحث بالذكاء الاصطناعي أهمية المحتوى المفيد والموثوق والقابل للفهرسة، مع بقاء ظهوره والاستشهاد به غير مضمونين.
ثم يأتي القياس: هل استُرجعت المصادر المناسبة؟ هل انخفضت الأخطاء؟ هل كانت الإجابات أوضح بلغات مختلفة؟ وعلى مستوى الجمهور، هل أضافت معرفة وحسّنت الفهم؟ بهذه الأسئلة نستطيع تقدير إسهام العمل في القوة الناعمة السعودية، وتطويره على أساس ما يتحقق فعلًا.
من يروي السعودية؟ تسهم في روايتها الصحيفة والموسوعة والجامعة والمؤسسة، ويسهم فيها فرد يكتب بإتقان عن موضوع يعرفه ويحبه. يجمع هؤلاء انتماء لوطن يستحق أن تُفهم تجربته، وتمنح أعمالهم قيمتها أمانة التوثيق وجودة الشرح واستمرار العناية بالمعلومة.
بهذا تتكامل الجهود في بناء حضور معرفي يدعم الدبلوماسية الرقمية السعودية. وحين يكتب شخص في أقصى العالم سؤاله المقبل عن المملكة، قد تكون مادة أعددناها مصدرًا في إجابته. تلك فرصة لأن يتحول حب الوطن إلى معرفة تصل، وتُفهم، وتستحق الثقة.










































