اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
نجوى العمري
لطالما انشغلت الثقافة الإنسانية بفكرة الزمن؛ فالأدب منذ الحكايات الأولى، لم يكن يروي ما حدث فحسب، بل كان يتساءل عمّا كان يمكن أن يحدث لو جاءت الأشياء في وقت آخر،غالبًا نحن نتعامل مع حياتنا بوصفها مسارًا متصلًا من القرارات والاختيارات التي تتشكل في ضوئها ملامح تجربتنا الإنسانية،فنحن نقرر أن نذهب أو نبقى، أن نقترب أو نبتعد، أن نبدأ أو نتراجع. لكن ثمة عاملًا لا نملكه بالقدر نفسه، ولا نستطيع التحكم فيه وهو «التوقيت» والذي لا نقصد فيه فقط اختلاف السنوات أو المسافة الزمنية،بل الاستعداد النفسي، والظروف الاجتماعية، والمرحلة الحياتية، والقدرة على الالتزام، والموارد العاطفية التي يمتلكها الإنسان في لحظة معينة.
تقول أحلام مستغانمي «أشياء ستصل في الوقت الخطأ، وأخرى كأنها لم تأتِ، وثالثة تجيء على عجل لتمضي، من قبل أن تعي أن للأشياء أجلاً.»
فقد تكون الفرصة مناسبة، لكننا لسنا مستعدين لها،وقد يكون الشخص مناسبًا، لكننا نلتقيه في مرحلة مختلفة تمامًا من حياتنا، وقد نصل إلى المكان الذي حلمنا به، لكن بعد أن تتغير الأشياء التي جعلتنا نحلم به أصلًا.
لهذا تبدو بعض الخسارات غامضة،ولكن كل ما نستطيع قوله هو أن الأشياء لم تحدث في الوقت الذي كان يمكن لها فيه أن تنجح، لأن ذلك يعتمد على السياق الزمني والنفسي والاجتماعي.
فنحن لا نلتقي الآخرين بشخصية ثابتة؛ نحن نتغير باستمرار، وما نبحث عنه الآن قد لا يكون ما نحتاجه بعد سنوات.
من هنا، تصبح فكرة «التوقيت المناسب» أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه،فهي نتيجة لقاء بين حالتين و شخصين وظرفين ومرحلتين من العمر.
والأمر ذاته ينطبق على الأفكار والأحلام و الكتب والأماكن
لهذا لا ينبغي أن نقيس قيمة الأشياء فقط بقدرتها على الاستمرار، فهناك لقاءات قصيرة تغيّر مسارًا كاملًا، وكتب نقرأ منها صفحات قليلة لكنها تترك سؤالًا يرافقنا سنوات، وأشخاص لا يبقون في حياتنا طويلًا، لكنهم يتركون فيها أثرًا لا يغادر بسهولة.
وربما يكون النضج الحقيقي هو أن نتوقف عن سؤال: لماذا لم تكتمل؟ ونبدأ بسؤال آخر: ماذا تركت فينا لأنها لم تكتمل؟
فبعض الأشياء لا تأتي لتستقر، وإنما لتغيّر شيئًا فينا ثم تمضي، وبعض الأشخاص لا يكونون فصلًا كاملًا في حكايتنا، لكنهم قد يكونون الجملة التي تغير المعنى،وبعض الأحلام لا تكون هي الغاية بل الطريق.
في النهاية، نحن لا نستطيع أن نعيد ترتيب الزمن، ولا أن نطلب من الحياة أن تعيد تقديم الأشياء في الموعد الذي يناسبنا،ما نستطيع فعله هو أن نكون أكثر انتباهًا لما يصل إلينا الآن؛ فلا شيء عابر وخلف كل حكاية رسالة،وربما لم يكن التوقيت خاطئًا كما ظننا،لكن بعض الأشياء لا تأتي لتستمر.










































