اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
لم تتعرض بلدان للنهب كما تعرضت ربوع القارة الأفريقية؛ بداية من عهود الاستكشافات الجغرافية في القرن الخامس عشر، مروراً بالثورة الصناعية الأولى في القرن الثامن عشر وما صاحبها وتبعها من رغبات في توسيع الأسواق والبحث عن الخامات والسلع الأولية من خلال الاستعمار الاستيطاني. وحتى بعد موجات الاستقلال في القرن العشرين، لم تسلم أفريقيا المعاصرة من سوء استغلال بانحياز شروط الاستثمار والتبادل التجاري، والإفراط في الاستدانة، فضلاً عن تدفقات الأموال غير المشروعة التي تهرب من أفريقيا إلى ملاذات آمنة من تعقبها.
كانت وقائع النهب والاستغلال تلك تستدعيها الذاكرة؛ إذ طلب مني إلقاء كلمة في إطار فعاليات «منتدى العلمين - أفريقيا للأعمال» الذي عقد في مطلع هذا الأسبوع وضم قادة الدول ووزراء وأرباب أعمال ومستثمرين وتجاراً وعدداً من المنظمات الدولية والإقليمية والمؤسسات المالية وجمعاً من الخبراء والإعلاميين. وكان في إعداد الكلمة فرصة لتحديث معلومات عن مستجدات القارة السمراء وتناول أمور حرجة في سبيل الاستثمار وتطور الاقتصاد، وتحقيق التنمية المستدامة التي لا تزال بعيدة عن مساراتها.
جرى العرف أن تذكر أفريقيا في محافل الاقتصاد بإظهار ما لديها من خامات وسلع أولية، وما تفيض به المحاجر والمناجم من ثروات طبيعية، وما تسمح به أراضيها من فرص لمحاصيل تجارية كانت تدخل في تصنيع أوروبا في السابق، وانتقلت منها إلى مصانع الشرق في الحاضر. ولكن الأجدى بالذكر أن أغلى ما يعزز فرص التقدم في أفريقيا هو الثروة البشرية؛ إذ يبلغ عدد سكانها اليوم 1.5 مليار إنسان، بما يتجاوز عدد سكان الهند البالغ 1.45 مليار نسمة، والصين التي يقترب عدد سكانها من 1.42 مليار نسمة. كما تتميز التركيبة السكانية الأفريقية بالشبابية، حيث يبلغ الوسيط العمري 19 عاماً، بينما يبلغ في الهند 28، وفي الصين 40، وفي أوروبا 43.
ورغم أن نسبة الأفارقة إلى سكان العالم تتجاوز 19 في المائة، فإنه من المؤسف أن نصيب أفريقيا من الناتج العالمي لا يتجاوز 3 في المائة، وتقل النسبة عن ذلك في الناتج الصناعي، وتزداد انخفاضاً في المنتجات التكنولوجية المتطورة؛ أي إن أفريقيا تحتاج إلى زيادة ناتجها بـ6 أمثال لتحصل على نصيبها الملائم في الناتج العالمي، وهو ما يستلزم استثمارات ضخمة في رأس المال البشري بالتعليم والتدريب والرعاية الصحية، واستثمارات أكبر في البنية الأساسية والتكنولوجية.
والمعضلة تكمن في حجم ونوعية وتكلفة الاستثمار الدافع للنمو؛ فالنمو الاقتصادي في أفريقيا لم يتجاوز متوسط 5 في المائة، بينما بلغ 9 في المائة بالصين، و7 في المائة بالهند، خلال سنوات العقدين السابقين على جائحة كوفيد، وما تلتها من صدمات خارجية يتعلل بها بعض الحكومات الأفريقية في تراجع أدائها الاقتصادي. وإن كان تواضع أدائها لا تبرره الصدمات وحدها، كما لا تكفي موبقات سنوات العهد الاستعماري البغيض في شرح علاته، فقد زال منذ زمن بعيد، بل يفسرها حتماً أداء اقتصادي يفتقر إلى إدارة متطورة متسقة السياسات محكمة المؤسسات منضبطة الأولويات.
وتحتاج القارة إلى استثمارات ضخمة في البنية الأساسية، بما في ذلك مشاريع الطاقة بما لا يقل عن 155 مليار دولار سنوياً، حتى تضاعف ناتجها المحلي بحلول عام 2040، وهذه الاستثمارات لم تتجاوز 83 مليار دولار فعلياً؛ أي إن المطلوب يقترب من ضعف ما هو متحقق وفقاً لتقرير ديناميكيات البنية الأساسية. ومما يزيد الأمر صعوبة هو زيادة تكلفة الاستثمار الموجه لأفريقيا؛ ليس فقط لزيادة مخاطر المشاريع والتقلبات السياسية في عدد من بلدانها، ولكن لتأثر تقييم المخاطر بانطباعات قديمة وتصورات بائسة تجاوزها الواقع إلى ما هو أفضل. ولكن يتمسك مانحو الائتمان بتصوراتهم البالية استغلالاً لها؛ فتكلفة رأس المال في أفريقيا تتجاوز 13 في المائة، بينما تبلغ 8 في المائة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. هذا على الرغم من أن حالات التعثر في ديون البنية الأساسية الأفريقية لا تتجاوز 2 في المائة، كما أن حالات التخلف عن السداد منخفضة عموماً وحالات فرص الاسترجاع في تحسن؛ وفقاً لقاعدة بيانات ائتمان البلدان النامية والأسواق الناشئة التي تحدثها سنوياً المؤسسات المالية الدولية.
ولكن لا يمكن إغفال أن أفريقيا ليست دولة واحدة، بل هي قارة من 54 دولة متباينة الفرص والعوائد والتكاليف والمخاطر. وإنه لجذب الاستثمارات المحلية والإقليمية والدولية، ينبغي للحكومات أن تكون لديها إجابات شافية عن سبعة أسئلة رئيسية:
- ما عوائق الدخول إلى الاقتصاد المعني والخروج منه؟
- ما مدى انضباط الإطار الرقابي والتنظيمي واتباعه للمعايير الأفضل عالمياً؟
- ما تكلفة القيام بالأعمال وتنافسية مناخ الاستثمار؟
- ما معدل النمو الحقيقي، والتضخم واستقرار الاقتصاد وتنوعه؟
- ما مرونة الأسواق والتسعير؟
- ما حماية الحقوق واحترام دولة القانون؟
- وأخيراً، ما نسبة تقدم موقع الدولة على خريطة الاستعداد للذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد على رأس المال البشري، والبنية الأساسية التكنولوجية، ومرونة سوق العمل، والحوكمة؟
يعين البلدان الأفريقية على جذب الاستثمار حتماً قدرتها على توسيع أسواقها وزيادة تجارتها البينية التي لا تتجاوز متوسط 15 في المائة من تجارتها الكلية مع سائر دول العالم، ويعين على تحسنها مستقبلاً ما هو متوفر من أطر ميسرة، بما في ذلك تأسيس منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. ولن يتحقق المرجو منها إلا بتخفيض تكلفة النشاط الاقتصادي وزيادة التنافسية، والقضاء على التعقيد الإداري والفساد وضعف المؤسسات، وأن تمتلك ناصية التقدم بالتحول الرقمي ومقومات الاقتصاد الأخضر.












































