اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - هناك أسئلة نؤجلها لأن الحديث عنها ثقيل.
الموت واحد منها.
والتبرع بالأعضاء بعد الوفاة ربما يكون أكثرها حساسية، لأنه يجمع في لحظة واحدة الموت والجسد والدين والعائلة والطب والخوف والثقة.
ولهذا نتجنب السؤال.
لكن تجنب السؤال لا يلغي الحقيقة: هناك مرضى يعيشون بيننا اليوم ينتظرون عضواً قد يمنحهم فرصة أخرى للحياة، وفي المقابل يرحل أشخاص يمكن، في حالات طبية محددة ووفق ضوابط صارمة، أن تمنح أعضاؤهم الحياة لآخرين.
وبين الطرفين تقف فجوة كبيرة اسمها الثقافة والثقة.
السؤال ليس لماذا لا يتبرع الأردنيون بأعضائهم؟
هذا سؤال يحمل حكماً مسبقاً.
السؤال الأصح هو:
هل شرحنا للأردني أصلاً ماذا يعني التبرع بالأعضاء، ومتى يحدث، ومن يقرر، وما الضمانات، وكيف تُحمى إرادة الإنسان وكرامة جسده وحقوق أسرته؟
فهناك فرق هائل بين أن تطلب من الناس التبرع، وبين أن تمنحهم المعرفة الكافية ليقرروا بأنفسهم.
والتبرع بالأعضاء لا ينبغي أن يتحول إلى حملة عاطفية تجعل من يوافق بطلاً ومن يتردد أقل إنسانية.
إنه قرار شخصي شديد الحساسية.
لكن من حق المجتمع أيضاً أن يناقشه.
المشكلة أننا غالباً لا نفعل ذلك إلا عندما تقع المأساة.
أسرة فقدت ابناً أو أباً أو أماً، وفي الساعات الأكثر قسوة في حياتها يُطرح أمامها سؤال يحتاج في الأصل إلى هدوء ومعرفة وتفكير:
هل توافقون على التبرع؟
هل هذه هي اللحظة المثالية لبدء النقاش؟
بالتأكيد لا.
الأفضل أن يبدأ الحديث ونحن أحياء.
أن يعرف الإنسان الخيارات المتاحة، وأن يقرأ الضوابط الطبية والقانونية والدينية، وأن يناقش الأمر مع أسرته، ثم يقرر بحرية كاملة ما يريده.
قد يقول نعم.
وقد يقول لا.
لكن على الأقل سيكون القرار قراره، وليس سؤالاً مفاجئاً يقع فوق عائلته وهي تحت وقع الصدمة.
وهنا نحتاج إلى الحديث بصراحة عن أكبر عائق أمام التبرع بالأعضاء: الثقة.
المواطن يريد أن يعرف كيف تُثبت الوفاة.
ومن يثبتها.
ومن يقرر صلاحية العضو للتبرع.
وكيف يتم اختيار المريض الذي سيحصل عليه.
وهل يستطيع صاحب المال أو النفوذ تجاوز دوره.
وهل توجد رقابة مستقلة.
وهل يمكن أن يتحول العضو البشري، لا سمح الله، إلى سلعة.
هذه المخاوف لا ينبغي الاستهزاء بها أو التعامل معها باعتبارها جهلاً.
بل يجب الإجابة عنها.
فكلما كان النظام أكثر شفافية، أصبحت مساحة الشائعات أصغر.
والتبرع بالأعضاء تحديداً يحتاج إلى مستوى استثنائي من الشفافية، لأن الدولة والمؤسسة الطبية هنا لا تطلبان من المواطن معلومة أو رسماً أو معاملة؛ نحن نتحدث عن جسد الإنسان بعد وفاته.
ولهذا يجب أن تكون القاعدة واضحة لا تحتمل التأويل:
لا تجارة.
لا واسطة.
لا أولوية لنفوذ.
لا غموض في قوائم الانتظار.
ولا تضارب بين الفريق الذي يقرر الوفاة والفريق المستفيد من عملية الزراعة، وفق الضوابط الطبية المعتمدة.
كل ضمانة من هذه الضمانات لا تحمي المريض والمتبرع فقط، بل تحمي فكرة التبرع نفسها.
لأن قصة واحدة عن تجاوز ـ صحيحة كانت أم شائعة صدقها الناس ـ تستطيع أن تهدم سنوات من بناء الثقة.
وهناك أيضاً البعد الديني.
كثير من الناس لا يعرفون الموقف الشرعي بالتفصيل، وبعضهم يحمل تصورات مختلفة حول حرمة الجسد بعد الموت.
وهنا لا تكفي عبارة مختصرة تقول إن الأمر جائز وتنتهي المسألة.
نحتاج إلى حوار هادئ يشرح للناس الرأي الشرعي وضوابطه وشروطه، ويترك لهم بعد ذلك مساحة القرار.
فالإنسان لا يغير موقفاً مرتبطاً بالموت والجسد والمعتقد بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
يحتاج إلى أن يفهم ويطمئن.
لكن القضية لا تتعلق بالمتبرع وحده.
فلننظر إليها للحظة من الجهة الأخرى.
هناك إنسان قد تكون حياته معلقة على كلية.
وآخر ينتظر كبداً.
ومريض قد تكون زراعة عضو بالنسبة إليه الفارق بين سنوات إضافية من الحياة وبين تدهور لا يستطيع الطب إيقافه بوسائل أخرى.
وهناك عائلة تعيش كل يوم وهي تنتظر مكالمة قد تأتي وقد لا تأتي.
عندما ننظر من هذه النافذة، يتغير معنى التبرع.
فالعضو الذي لم يعد يستطيع إنقاذ صاحبه قد يستطيع، في الظروف الطبية المناسبة، أن ينقذ شخصاً آخر.
وربما أكثر من شخص.
وهذه من الحالات النادرة التي يستطيع فيها الإنسان أن يترك بعد رحيله شيئاً لا يوضع في وصية ولا في حساب بنكي.
يترك نبضاً يستمر في إنسان آخر.
لكن العاطفة وحدها لا تكفي لبناء سياسة عامة.
نحتاج إلى نظام.
ولذلك فإن المطلوب ليس إطلاق حملة تقول للأردنيين «تبرعوا بأعضائكم».
المطلوب أولاً أن يستطيع أي أردني الدخول إلى مصدر رسمي واحد ليجد إجابات واضحة عن كل شيء:
ما التبرع بالأعضاء؟
ما الفرق بين الوفاة الدماغية والغيبوبة؟
ما الأعضاء التي يمكن التبرع بها؟
كيف تسجل رغبتك؟
هل تستطيع تغيير قرارك؟
ما دور الأسرة؟
كيف يتم اختيار المستفيد؟
ما الضمانات ضد الاتجار؟
ومن يراقب العملية؟
وعندما يجيب النظام عن هذه الأسئلة بوضوح، يستطيع المواطن اتخاذ قرار واعٍ.
ويمكن أيضاً التفكير بثقافة مختلفة تماماً:
بدلاً من سؤال الإنسان: هل تريد التبرع؟
يمكن أن نسأله:
هل فكرت في الأمر؟
هذه بداية أكثر احتراماً.
لأن هدف الدولة والمجتمع ليس انتزاع موافقة من الناس، وإنما إخراج الموضوع من دائرة الخوف والصمت إلى دائرة المعرفة والاختيار.
ومن الجميل أن يصبح الحديث عن التبرع بالأعضاء جزءاً من الثقافة الصحية العامة، لا موضوعاً يظهر فقط بعد حادث سير أو مأساة عائلية.
فالقرار الذي نتخذه في لحظة هادئة يكون أكثر وضوحاً من القرار الذي يُطلب من أهلنا اتخاذه وهم يبكون.
وربما يجب على كل واحد منا أن يطرح السؤال على نفسه مرة واحدة على الأقل:
إذا كنت أنا المريض الذي ينتظر عضواً، ماذا سأرجو من الآخرين؟
ثم نقلب السؤال:
إذا انتهت حياتي يوماً، وكان الطب قادراً على منح جزء مني فرصة حياة لإنسان آخر، ماذا أريد أن يحدث؟
ليس مطلوباً أن تكون إجابة الجميع واحدة.
لكن من المؤسف أن يموت الإنسان دون أن يسأل نفسه أصلاً.
ففي النهاية، كلنا سنترك هذه الحياة، ولن يأخذ أحد منا جسده معه.
لكن في حالات محددة، وتحت حماية القانون والطب والأخلاق وإرادة الإنسان، قد لا تكون النهاية نهاية كاملة.
قد تتوقف حياة هنا...
وتبدأ فرصة حياة هناك.
ولهذا ربما آن الأوان ألا نخاف الحديث عن التبرع بالأعضاء.
فالصمت لا يحمي كرامة الموتى بالضرورة.
أما المعرفة والثقة والاختيار الحر، فتحمي كرامة الجميع:
من رحل، ومن بقي، ومن ينتظر فرصة ليبقى.












































