اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٣ نيسان ٢٠٢٦
د. حسان صبحي حسان*
من القيمة المعنوية إلى «عملة صعبة» تقود سياحة واقتصاد المستقبل، ومن «الجمال» لصناعة مستند وأصالة ثقافية كسلعة ذات قيمة-ينبري الجمال كأداة «للقوة الناعمة»ويصبح الإبداع»مغناطيس للاستثمارات «ورؤوس الأموال» وتتحول الأفكار والخيال لتدفقات نقدية عابرة للحدود كعملة متزايدة القيمة).
وحينما يتحول الفن والثقافة من «دور المشاهد» «لقوة فاعلة» فإنهما يمنحان المجتمع ديمومة اقتصادية مرنة، تجعل من الجمال استثماراً رابحاً ومن الخيال ثروةً قومية ومن الإبداع والمعرفة مددا وحجر الزاوية في التحولات الاقتصادية الكبرى والانتقال من «اقتصاد يبحث في باطن الأرض» إلى «الاقتصاد الإبداعي» الذي ينقب في عقول المبدعين وخيالهم، لتكوين نمط سياحي متخصص يعزز الاقتصاد، ويثري التبادل الثقافي، وينشط الوجهات السياحية غير التقليدية، بما يجعلها ركيزة للتنمية المستدامة. وهو مايرسخ المكانة داخل مراكز الإبداع والثقافة العالمية، وجذب المواهب العالمية للعمل والعيش والاستثمار.
(ولأن المسافر الحديث لا يرغب في شراء «السلع» بل يرغب في معايشة «التجربة» والتفاعل مع «حالة وجدانية»يلمس فيها تاريخاً، ويشاهد إبداعاً معاصراً، ليغادر وهو يحمل معه قصة حضارة، ويترك خلفه أثراً اقتصادياً يساهم في نمو قطاعات الضيافة والخدمات) لذا «فالسياحة الفنية» لاتنتهي بمغادرة الزائر للمكان، بل تبدأ من ذلك الأمر-وتنطلق كحقيقة تنموية ومنظومة اقتصادية متكاملة تدعم الصناعات الإبداعية، عبر تحويل الفن إلى محرك استراتيجي يغذي التنمية المستدامة، وتوجيه «الأصول الثقافية» «لرؤوس أموال» نشطة، بما يدعم «صناعة الجمال» والدراسات الإبداعية وتنشط أسواق الفن والحرف اليدوية، والتصميم-وتستثمر في الفنان والحرفي «كمنتجين لثروة وطنية» وليس مجرد هواة.
ومع استمرار الدعم الحكومي، يمكن لهذا القطاع أن يكون جسرًا بين التنمية الاقتصادية وتعزيز الهوية الوطنية، ورافد لتعزيز جودة الحياة، ومعيار أساسي في مؤشرات التنافسية العالمية، وتحقيق أثر اقتصادي مباشر وغير مباشر يتمثل في تنشيط سياحة الفنون، وتحريك عجلة قطاعات متعددة، مثل(الطيران والنقل والضيافة وإشغال الفنادق، والطلب على خدمات النقل واللوجستيات والخدمات المساندة) (وزيارات المعارض الفنية والمتاحف والمواقع الثقافية والأنشطة المتعلقة بالفن كورش العمل) وخلق شبكة من الوظائف الجديدة التي لا تقتصر على الفنانين فقط، بل تمتد لتشمل مهن مساندة في مجالات مثل:(الإرشاد والتنسيق الفني، تنظيم الفعاليات، والتصميم المحلي لهدايا تذكارية مستوحاة من روح المكان وتراثه) بهدف إعادة إحياء الحرف التقليدية ودمجها في المنتجات السياحية الفاخرة(والإفادة من التراث»كماضٍ ساكن»واستثماره»كمورد متجدد»)، وتحويله كمادة خام ومخزون فكري وتاريخي لمنتجات عصرية، كجسر لنقل الثقافة للأجيال الجديدة والأسواق العالمية.
«السياحة الفنية» وتعزيز الاقتصاد الإبداعي الجديد:
وفي»السياحة الجماعية» «وسياحة التجربة»لا يأتي الزائر فقط ليشاهد أثراً،بل ليشارك في ورشة عمل حرفية،أو يحضر مهرجاناً موسيقياً محلياً،وهو مايحول السياحة من»عبء»على الأماكن الأثرية»لمورد»توزع عوائده المالية مباشرة على المجتمع المحلي،حيث تعيد»سياحة التجربة»صياغة دور الزائر من»المشاهد الثابت»الذي يلتقط الصور ويرحل،إلى دور»المشارك الفاعل»الذي يتفاعل ويعيش القصة،ونمط لايتم فيه شراء»تذاكر الدخول»بل اقتناء»ذكريات ومشاعر وعلاقات إنسانية»من خلال أنشطة مثل:ورش العمل الحرفية والتي صممت لتناسب فئات مختلفة،حيث يجلس فيها الزائر مع شيوخ الحرف المحلية ليعرف ويتعلم،في تجربة تعزز التعلّم والارتباط بالصانع وليس المنتج النهائي،لتتحول هذه الورش لنموذج اقتصادي مستدام ودورة اقتصادية متكاملة تجمع(الفن والثقافة والاستثمار)وتتكون»مستويات التجربة»من ورش»التذوق»التي تقدم مبادئ بسيطة-وورش»الاحتراف»التي تستهدف»السياح المبدعين»-وورش»المعايشة»والمؤسسة علي التعايش في قرية حرفية،لتلقي أسرار الخامة.
والإقامة الإبداعية كنموذج متفرد»لسياحة التجربة»وتجربة إبداعية ثرية تهدف إلى تبادل المعرفة،وتطوير الممارسة الفنية،بما ينطوي علي استثمار في الوقت والمكان والعقل في الاقتصاد الإبداعي،خلال استضافة»الفنانين،والمصممين،والسياح الشغوفين»لفترة زمنية محددة»من أسبوع إلى أشهر»يخوضون رحلة فنية ممتدة لثلاثة أشهر مليئة بالتعلّم والإبداع والمعرفة لإنتاج وتعلم واكتساب مهارات خاصة متقدمة،في بيئة ملهمة قد تكون البيوت التاريخية والفنادق التراثية،أو المراكز الثقافية الريفية،أو تحويل المباني الصناعية القديمة إلى استوديوهات فنية وغرف إقامة،أو الإقامات البيئية في أحضان الطبيعة للتركيز على»الفن البيئي»والاستدامة،أو المساحات المصممة لتحفيز الخيال-في تعدد يشمل(إقامة الحرفيين ودمج الحرفة التقليدية بالتصميم الحديث-إقامة الباحثين والأكاديميين لتوثيق التراث والقصص في النقد الفني وأبحاث تخلد هوية المكان-إقامة»الديجيتال»لمبدعي الفن الرقمي-وإقامة التصوير التشكيلي).
ونحو وسائل ذكية لإعادة إحياء المدن وتنشيط السياحة دون الحاجة لبناء متاحف مغلقة،تأتي»المسارات الفنية التفاعلية»كنسخة عصرية من»المتحف المفتوح»»والمعرض الفني الممتد»في الشوارع والأزقة والمواقع الطبيعية،والتي يصبح الزائر فيها جزءا من العمل الفني عبر الحركة والتفاعل واستخدام التكنولوجيا،من خلال جولات مشي في أحياء قديمة لاكتشاف «فن الشارع»أو حضور عروض حية لفرق موسيقية تقليدية في مسارات فنية تفاعلية-ليأتي دمج الفن في التجارب السياحية ليخلق تجارب تثري تصميم البرامج السياحية والجولات السياحية في إبراز المدارات الثقافية.
ونحو تحقيق التوازن بين تسويق التراث الفني والمواقع الثقافية والحفاظ عليها،يمكن استثمار هذه المسارات في تعزيز»الاقتصاد المستدام»وتنشيط الحواس وتشجيع المشي والاستكشاف،بما يربط»السياحة الثقافية»»بالسياحة الصحية والرياضية»من خلال الجداريات»التي تقود الزائر عبر أحياء معينة لاكتشاف لغة بصرية تسرد قصص إبداعاتهم وهو مايحول الجدران الصامتة»لرأس مال إبداعي»»ومتحف ذاتي مفتوح»-والتفاعل مع بعض الأعمال من خلال تطبيقات «الواقع المعزز،وتوجيه هاتف الزائر لتتحرك الصور أو تحكى القصة وتسرد تاريخ القطع الأثرية وشكل المدينة في عصور سابقة-بجانب»المسارات الصوتية»وارتداء سماعات والتحرك في مسارات تتغير فيها الموسيقي والحكايات وفق الموقع الجغرافي GPS،لخلق تجربة سينمائية حية.










































