اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
سارة إبراهيم الشهري
أي سر أودعه أجدادنا في حجارة منازلهم، حتى ضاقت جدرانها على أن تفصل ما بينهم، واتّسعت لأهل القرية جميعًا؟ وكيف كانت الدار على قلّة ما تحويه رحبةً بأهلها وجيرانها، ثم أصبح للإنسان من سعة المسكن واستقلال المعيشة ما لم يعرفه أسلافه، فتغيّر معه نمط الاجتماع وصور الأُنس؟
قريتي في تنومة، ببلاد عسير، تُسمّى «قرية القُرية» هناك منازل أجدادي العتيقة، الشاهدة على عهدٍ كان للإنسان فيه من أخيه نصيب، وللجار في دار جاره موضع. كلما اصطحبني والدي إليها، استنطق حجارتها بما فيها من ذكريات، واستعاد عند كل عتبةٍ حكاية، وفي كل منعطف وجهًا وصوتًا ومجلسًا. غير أن أكثر ما يستوقفني في حديثه أنه يعود إلى معنى واحد كأن كل ما يحن إليه: الصحبة.
فلم تكن لأحدٍ غرفة يستأثر بها، ولا كان للمنازل من الحدود في نفوس ساكنيها ما كان لها في جدرانها؛ كانت الدار دار الجميع، والأُلفة تغني عن تكلّف الزيارة واستئذان المودّة. ولم تكن قد استحكمت في معاشرتهم تلك الرسوم المستحدثة للاجتماع، من مواعيد وأعباء وتكلّف؛ كان يكفي المرء أن يأتي ليجد مكانه محفوظًا، كأن حضوره من تمام المنزل، وغيابه نقصٌ في أُنسه.
كلما استحضرت تلك المنازل، خُيّل إلي أنني أسمع وقع خُطىً على عتباتها، وأرى صغارًا يخرجون من دارٍ إلى أخرى، ونساءً يُعددن إفطار الصباح، وإذا أقبل المساء، تناهت أصوات العائدين من البلاد، أي المزارع، تلك المفردة التي تختزن لغةً وبلادًا كاملةً في قلب كل جنوبيّ. كانت البيوت متقاربةً كدوحةٍ واحدة، تعدّدت منابتها واتصلت عروقها. وكان الصغير ينشأ في كنف جماعةٍ تعرف اسمه، فإذا عثر، امتدّت إليه يد من غير أن يسأل لمن هي؛ ولم يكن الحزن يطرق دارًا فيجد أهلها منفردين به، إذ كان للجيرة في المصاب فزعة، وللقرابة في النوازل سند. وهذا المعنى اختزنته الحكمة المتداولة في الموروث الإفريقي: «تحتاج تربية طفل إلى قرية بأكملها»؛ فإن الطفل لا يكبر بما يُهيّأ لجسده فحسب، وإنما بما يستقر في وجدانه من شعور الانتماء، والرعاية التي تتجاوز أبويه إلى الجماعة التي ينشأ بينها.
ثم دارت رحى الأيام، وانفرط من ذلك العقد شيء كثير. تفرّقت الأسر في المدن، واستقلّت المساكن، وأصبح للمرء بابٌ لا يطرقه أحد إلا بموعد، وللوالدين من أعباء الرعاية ما كان يتوزّع يومًا على أفئدةٍ وأيدٍ كثيرة. ويا لعجب هذا الزمان! أضحى في وسع الإنسان أن يُحادث من وراء البحار في لمح البصر، وقد يعجز عن معرفة ما ألمّ بجاره وراء الجدار، وهنا يحضر مفهوم «الفردانية»، القائم على استقلال الإنسان وتدبير شؤونه؛ غير أنّ الإشكال ينشأ حين يصير الاعتماد على النفس استغناءً عن الناس.
وفي دراسة شملت 17,409 من الآباء والأمهات في اثنتين وأربعين دولة، وجد الباحثون أنّ الاحتراق الوالدي أشدّ شيوعًا في الثقافات الفردانية؛ فماذا يحدث حين يستقرّ على كاهل اثنين ما كانت تحتمله الجماعة؟ ولست أزعم أنّ حياة الأجداد كانت خاليةً من المشقّة، أو أن كل اجتماعٍ رحمة؛ فقد كان للماضي قسوته، وللجماعة أحيانًا من سطوة الأعراف ما يضيق به اختيار الفرد. غير أن التأمل يقتضي أن نسأل عمّا فقدناه ونحن نكسب؛ فقد ظفرنا باستقلال المسكن وسعة الاختيار، وأخذ شيء من فقه التعاضد يتوارى خلف هذه المكاسب.
وكلما عدت بفكري إلى قرية أجدادي، لم يكن الذي يستوقفني ما بقى من حجارتها وحدها؛ وإنما ذلك العمران الخفيّ حيث كان القرب عهدًا من المودّة، والجوار حقًّا من الرعاية، وللمرء في حياة غيره أثرٌ لا تمحوه المسافات. إنّني وبالفعل لا أتحسّر على رحيل زمنٍ كان الناس فيه أقلّ رفاهًا، ولا أتمنى للإنسان أن يتنازل عن استقلاله؛ لكني أتحسّر على ما انحسر من المعنى الذي كانت تقوم عليه الحياة، حين كانت الأُلفة تتّسع بأهلها حتى يتجاوز سقف الدار حدود جدرانها.
وأخشى أن نُورِث أبناءنا منازل أرحب من منازل أجدادنا، ولا نورِثهم من سعة الصدور ما كان. فما قيمة أن يمتلك الإنسان بيتًا، إن افتقد وراء بابه قلبًا يفتقده إذا غاب، ويدًا تسنده إذا مال؟










































