اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ أب ٢٠٢٦
ماجد بن أحمد آل حسنة
في 15 أغسطس 2022م، كتبت مقالًا بعنوان «البابون تُهدِّد السياحة وتُربك المصطافين»، تحدثت فيه عن مشهد كان يؤرق السائح والمصطاف في عدد من المواقع السياحية، خصوصًا في جنوب المملكة، وما تمثله قرود البابون من تحدٍ يتجاوز الإزعاج العابر إلى التأثير في سلامة الإنسان، وجودة التجربة السياحية، والصورة الذهنية للوجهة.
واليوم، في 15 أغسطس 2026م، أعود إلى الموضوع ذاته، ولكن هذه المرة لا لأنتقد، بل لأشكر.
بين المقال الأول وهذا المقال أربع سنوات كاملة؛ 1,461 يومًا، أو ما يعادل 35,064 ساعة. وفي لغة التنمية، الأهم من مرور الزمن هو: ماذا تغير على الأرض؟
والإجابة وجدتها بنفسي، لا من خلال تقرير أو بيان صحفي، وإنما شاهدتها على أرض الواقع أثناء سياحتي في صيف عسير لهذا العام.
ما شاهدته من معالجة وتنظيم وتراجع للمظاهر المزعجة المرتبطة بقرود البابون في المواقع التي زرتها يؤكد أن هناك عملًا ميدانيًا بُذل، وجهودًا تراكمية تستحق أن يُقال لأصحابها: شكرًا.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة العمل الحكومي حين تتحول الملاحظات والمشكلات إلى برامج وحلول مستدامة. فقد أطلق المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية برنامجًا لمعالجة تزايد أعداد قرود البابون، وشملت الحلول إعادة تأهيل النظم البيئية، والتوعية، ومعالجة مصادر الغذاء ومواقع النفايات، ومنع الإطعام، إلى جانب فرق ميدانية وتقنيات للرصد والمتابعة.
ولأن جزءًا رئيسيًا من المشكلة ارتبط بالسلوك البشري، لم تتوقف المعالجة عند التوعية فقط؛ بل أصبحت تغذية الكائنات الفطرية، ومنها قرود البابون، مخالفة تستوجب غرامة مالية قدرها 500 ريال لمن يقوم بالإطعام دون ترخيص، في رسالة واضحة بأن حماية البيئة مسؤولية مشتركة، وأن السلوك الفردي قد يكون جزءًا من المشكلة أو جزءًا من الحل.
بل إن المركز عزز ذلك بأكثر من 340 لوحة تحذيرية في المناطق المتضررة، إلى جانب استخدام كاميرات المراقبة لضبط المخالفات وتطبيق نظام حظر الإطعام.
ومن الإنصاف هنا أن نرفع كلمة شكر وتقدير إلى سمو أمير منطقة عسير على ما تحظى به المنطقة من متابعة واهتمام بتطوير تجربة الزائر والارتقاء بجودة الحياة، وإلى المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، وأمانة منطقة عسير، والبلديات والجهات الأمنية والفرق الميدانية وجميع الجهات المشاركة في معالجة هذه الظاهرة.
فالجهود الرسمية نفسها قامت على التكامل بين إمارات المناطق والأمانات وهيئات التطوير والجهات الأمنية وغيرها من الجهات، وهو نموذج مهم في معالجة القضايا التي تتقاطع فيها البيئة والسياحة والسلامة العامة.
وما شاهدته في صيف عسير 2026 يجعلني أعود إلى مقالي القديم بسؤال مختلف: إذا كنا نكتب عندما نرى الخلل، أفلا يجب أن نكتب أيضًا عندما نرى الإصلاح؟
بالتأكيد نعم.
فالكاتب لا ينبغي أن تكون مهمته اصطياد الأخطاء، وإنما الإسهام في تحسين المشهد؛ ينتقد حين يستوجب الأمر النقد، ويشكر عندما يستحق الإنجاز الشكر.
واليوم، بعد أربع سنوات و1,461 يومًا و35,064 ساعة من ذلك المقال، أجد من الواجب أن أقول:
شكرًا لكل من قرأ الملاحظة.
شكرًا لكل من درس المشكلة.
شكرًا لكل من نزل إلى الميدان.
وشكرًا لكل من أسهم في تحويل المشكلة من مشهد يربك المصطاف إلى ملف تتم معالجته بمنهج مؤسسي ومستدام.
إن السياحة ليست فندقًا فاخرًا، ولا فعالية موسمية، ولا حملة إعلانية جميلة فحسب؛ السياحة في جوهرها تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من لحظة وصول الزائر إلى الوجهة وتنتهي بالانطباع الذي يحمله معه إلى منزله.
ولهذا فإن معالجة ظاهرة مثل قرود البابون ليست شأنًا بيئيًا فقط؛ إنها أيضًا جودة حياة، وسلامة عامة، واقتصاد سياحي، وسمعة وجهة.
وعسير اليوم تخطو بثقة لتكون واحدة من أهم الوجهات السياحية في المملكة، وما شاهدته بنفسي هذا الصيف يؤكد أن التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في أعين البعض، أصبحت محل اهتمام ومعالجة.
في 15 أغسطس 2022 كتبنا: «البابون تُهدِّد السياحة وتُربك المصطافين».
وفي 15 أغسطس 2026 نقول بكل إنصاف: شكرًا لمن استجاب، وشكرًا لمن عمل، وشكرًا لمن جعل جودة حياة السائح والمصطاف أولوية تُرى على أرض الواقع.
لأن أجمل استجابة لمقال رأي ليست خطابًا يصل إلى الكاتب…
بل تغييرًا يراه بعينيه بعد سنوات على أرض الواقع.










































