اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
في الوقت الذي ما تزال فيه الذاكرة الأردنية تستحضر بألم مشاهد **حادثة كنيسة الكرك**، وما حملته من صور مؤلمة لتراشق رصاصات الحقد والكراهية التي استهدفت الإنسان قبل أن تستهدف المكان، تتجدد الحاجة إلى صوت العقل والعلم، وإلى خطاب ديني قادر على مواجهة التطرف والتشدد بالحجة والمعرفة، بعيدًا عن الانفعال والإقصاء.
وفي **مسجد زايد في العقبة**، شهد أحد دروس الجمعة موقفًا لافتًا عندما اعترض أحد الحاضرين على منهج الأئمة الأربعة، معلنًا أنه ليس بحاجة إليهم، وأنه يستطيع أن يأخذ دينه مباشرة من الرسول ﷺ، مستندًا إلى عبارة: **«هم رجال ونحن رجال»**.
لم يكن الرد على هذا الطرح بالصوت المرتفع أو بالتجريح، وإنما جاء من داخل المنظومة العلمية نفسها؛ إذ تناول **مفتي محافظة معان الشيخ عبد الرؤوف الشاويش ال خطاب** هذه المسألة في خطبة الجمعة، مقدمًا ردًا علميًا هادئًا ومفحمًا، فنقض الفكرة من أساسها، وبيّن خطورة أن يتصدر الإنسان للفتوى والاجتهاد دون امتلاك أدوات العلم التي تؤهله لذلك.
وأوضح المفتي أن قضية الاجتهاد ليست مجرد رغبة شخصية، ولا شعارًا يرفعه الإنسان بقوله: «نحن رجال وهم رجال»، وإنما هي منزلة علمية لها شروطها وأدواتها، من معرفة القرآن الكريم وعلومه، والحديث وعلومه، وأصول الفقه، واللغة العربية، والناسخ والمنسوخ، ومقاصد الشريعة، والقدرة على الاستنباط والترجيح، وغيرها من العلوم التي راكمتها الأمة عبر قرون طويلة.
وفي رد يحمل قدرًا كبيرًا من الذكاء العلمي، قال المفتي للمتنطع، بمعنى واضح: **إن كنت تملك مؤهلات الاجتهاد وشروطه، فسنقر لك بمقامك العلمي، وسنعترف بك إمامًا خامسًا للمسلمين.**
وهنا تكمن قوة الرسالة؛ فالعلم لا يُواجه بالصراخ، وإنما بالعلم، والاختلاف لا يُدار بإلغاء الآخرين، وإنما بالحجة والدليل.
فالأئمة الأربعة، أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل، لم يكونوا رجالًا عاديين تصادف أن حملوا آراء فقهية، بل كانوا علماء امتلكوا من أدوات الاجتهاد والبحث والاستنباط ما جعل مدارسهم الفقهية جزءًا أصيلًا من التراث العلمي الإسلامي.
والأهم من ذلك أن احترامهم لا يعني تقديسهم، ولا يعني أن أقوالهم فوق النقاش، وإنما يعني إدراك حجم الجهد العلمي الذي بذلوه، ومعرفة الفرق بين **الاجتهاد العلمي المؤهل** وبين أن يقرأ الإنسان نصًا أو حديثًا ثم يستنبط منه حكمًا لنفسه ولغيره دون امتلاك أدوات الاستنباط.
##من رصاصات الكراهية إلى رصاصات الكلمات
قد تختلف صورة المشهد بين الكرك والعقبة؛ ففي الكرك كان السلاح رصاصًا أطلقته يد التطرف، بينما كان المشهد في مسجد زايد مواجهة من نوع آخر، هي مواجهة الأفكار والكلمات.
لكن القاسم المشترك بين المشهدين هو أن **الكراهية والتطرف حين يخرجان عن حدود العقل والعلم يمكن أن يتحولا إلى خطر على المجتمع**.
ولهذا فإن مسؤولية العلماء والأئمة والمفتين لا تقتصر على بيان الأحكام الشرعية، بل تمتد إلى حماية الوعي الديني من الغلو والتطرف، وإلى تقديم خطاب يرسخ احترام الإنسان، ويحفظ وحدة المجتمع، ويمنع تحويل الاختلاف إلى خصومة أو تكفير أو إقصاء.
ومن هنا جاءت كلمة **مفتي محافظة معان الشيخ عبد الرؤوف الشاويش ال خطاب** في وقتها؛ لتؤكد أن الرد على الأفكار المتشددة لا يكون بتشدد مقابل، وإنما بإعادة النقاش إلى ميدانه الصحيح: **العلم، والدليل، والتخصص، وأدب الاختلاف.**
وبعد انتهاء الصلاة والخطبة، بقي الشيخ بين المصلين للاستماع إلى أسئلتهم والإجابة عنها، في صورة تعكس مفهومًا مهمًا لدور المفتي والعالم: أن يكون قريبًا من الناس، يسمع أسئلتهم، ويجيب عنها، ويفتح باب الحوار بدل أن يغلقه.
إن المجتمعات لا تُحمى فقط بالقوانين والإجراءات الأمنية، وإنما تُحمى أيضًا **بالعلم الصحيح، والخطاب الديني المعتدل، والقدرة على تفكيك الأفكار المتطرفة قبل أن تتحول إلى سلوك**.
ومن الكرك إلى العقبة، تبقى الرسالة واحدة:
**لا مواجهة مع التطرف بالكراهية، ولا مواجهة للجهل بالإقصاء؛ وإنما بالعلم والعقل والحجة، وبخطاب يحفظ للإنسان كرامته وللدين مكانته وللمجتمع وحدته.**












































