اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
يمثل خطاب جلالة الملكة رانيا العبدالله في قمة 'عالم شاب واحد' بجنوب إفريقيا مرافعة سياسية وأخلاقية تتجاوز النمط الخطابي التقليدي؛ إذ استندت الكلمة إلى هندسة بنائية محكمة تفكك منظومة الخطاب الغربي المهيمن، وتعري الآليات الدبلوماسية والإعلامية التي تُدار بها المظلمة الفلسطينية على الساحة الدولية.
تتجلى القيمة الاستراتيجية الأولى في اختيار المكان وسياقه الرمزي؛ فمخاطبة العالم من جنوب إفريقيا، واستحضار إرث نضالها ضد الأبارتهايد، واستدعاء مقولة نيلسون مانديلا الخالدة حول ارتباط حرية بلاده بحرية فلسطين، لم تكن مجرد مقاربة تاريخية، بل تأطيراً سياسياً يضع الاحتلال في خانته الطبيعية كنظام فصل عنصري غير قابل للتجميل. هذا التوازي منح الطرح شرعية قانونية وأخلاقية تستند إلى سابقة دولية نجحت في إسقاط نظام الفصل العنصري عبر أدوات الضغط المباشر والمقاطعة، وليس عبر ما وُصف تاريخياً بالانخراط البنّاء.
بنت الملكة متن خطابها على تفكيك مفهوم محوري أطلقت عليه سياسة 'الاستخفاف والإقصاء' (Dismissal)، كمنهجية مؤسسية تُمارس لإجهاض أي نقاش جوهري حول الحقوق الفلسطينية. أظهر التحليل كيف تُصمم أدوات هذا الاستخفاف وفق مراحل تبدأ بالتشكيك في أهلية الفاعل؛ فالشاب المحتج يوصف بالسذاجة، والمسؤول العربي يُتهم بالانحياز المسبق، وكل من يُبدي غضباً إنسانياً يُوصم بفقدان الرشاد والموضوعية. هذا التشخيص يضع اليد على آلية نفسية وسياسية مدروسة تهدف إلى إنهاء النقاش قبل أن يبدأ، وتحويل الضحية إلى طرف غير مؤهل للمطالبة بحقه.
كما برز استدعاء المصطلح العربي 'القهر' كنقطة تحول بلاغية وفكرية بليغة في الخطاب؛ فالقهر لا يعبر عن الألم المجرد، بل عن ذلك الظلم الممنهج الذي يُنكر ويُسخر منه، ما يعكس تجربة الشعوب المضطهدة حين يتم التشكيك حتى في وجود معاناتها. هذا الربط الذكي خاطب الجمهور العالمي عبر لغة تفاعلية تنقل الألم الجمعي الفلسطيني إلى فضاء المظالم الإنسانية المشتركة.
وعلى المستوى المؤسسي والقانوني، قادت الكلمة هجوماً صريحاً على ظاهرة 'إسكات الشهود' وقلب منظومة الحقائق. لقد جرى تفكيك الخطاب الدبلوماسي الذي يختبئ وراء شعارات الحياد البارد؛ حيث يتم التشكيك بالأطباء، وتصفية الصحفيين ومحاصرة شهاداتهم بوصفها دعاية، وتشويه تقارير المنظمات الحقوقية. وحين تسكت أصوات الشهود، تنقلب المعادلة ليتحول الظالم إلى ضحية والمحاصر إلى تهديد. وضعت الملكة المجتمع الدولي أمام مأزقه حين بينت أن هذا الحياد المصطنع ليس سوى هروب صريح من الالتزام القاطع باتفاقيات جنيف وقرارات محكمة العدل الدولية؛ فالقانون الدولي إما أن يكون مظلة حامية تسري على الجميع بالتساوي أو يفقد معناه ويصبح انتقاؤه شكلاً فجاً من أشكال العنصرية.
وفي مواجهة محاولات تمييع الحقائق وتصوير الصراع بوصفه مجرد تضارب في 'السرديات' أو معركة خوارزميات إعلامية، جاءت الحجة قطعية وحاسمة: الواقع ليس مساومة تجارية ولا يقع في منتصف الطريق؛ فالمستوطنة قائمة أو غير قائمة، والبيت هُدم أو لم يُهدم. الحقائق المادية الصلبة على الأرض في غزة والضفة الغربية والخليل لا يمكن تبديدها بالجدل اللغوي حول المصطلحات القانونية وما إذا كانت الجريمة ترقى توصيفاً إلى إبادة أو حصار.
ختاماً، وجه الخطاب رسالة تعبوية وعملية للجيل الصاعد؛ فلم يكتفِ بإثارة الحماس، بل دعا الشباب إلى التسلح بالمعرفة الموثقة والأرقام الثابتة باعتبارها السلاح الحقيقي لهزيمة التضليل، مؤكداً أن الضمير الأخلاقي لا يتطلب علماً بتفاصيل الخرائط لإدراك فداحة قصف المستشفيات وترويع الأطفال. إن الخطاب يمثل وثيقة إدانة بالغة الوضوح لعجز النظام الدولي وازدواجيته، ويقدم في المقابل معادلة واضحة المعالم: لا سلام ولا عدالة بلا محاسبة، ولا حرية تُمنح منقوصة تحت وطأة الاشتراطات، بل تُنتزع بصمود الموقف ووضوح البوصلة الأخلاقية.












































