اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١ نيسان ٢٠٢٦
لم تعد التكنولوجيا مجرد قطاع خدماتي يُقاس بعدد التطبيقات أو سرعة إنجاز المعاملات. ما يحدث اليوم في المنطقة يفرض إعادة تعريف جذري لدورها. زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى الخليج لم تكن بروتوكولية، بل أقرب إلى رسالة استراتيجية: في زمن الحروب الحديثة، التكنولوجيا هي السلاح الأول للدفاع والهجوم، وهي معيار التفوق الحقيقي بين الدول.
الحرب بين إيران وإسرائيل أسقطت آخر الأوهام، وأكدت أن التهديدات لم تعد بعيدة أو نظرية، بل يومية، دقيقة، ومنخفضة الكلفة لكنها عالية التأثير. هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: هل تستثمر الدول في التكنولوجيا لتحسين حياة مواطنيها فقط، أم لبناء قدرة وطنية شاملة تحمي الدولة وتمنحها السيادة؟
المفارقة أن دولًا غنية بالموارد المالية وجدت نفسها تبحث عن حلول دفاعية جاهزة في الخارج، بينما كان يمكن لهذه الموارد أن تُترجم إلى منظومات محلية أكثر استدامة وفاعلية. أوكرانيا، التي تحولت خلال الحرب إلى مختبر حي للتقنيات العسكرية، جاءت إلى الخليج وهي تحمل خبرة عملية في مواجهة الطائرات المسيّرة وأنظمة دفاع منخفضة الكلفة لكنها عالية الفعالية، تُرجمت إلى اتفاقيات دفاعية طويلة الأمد مع السعودية وقطر والإمارات. لكن الأهم أن أوكرانيا لم تعرض معدات فقط، بل قدّمت نموذجًا متكاملًا: أكثر من 200 خبير يعملون في المنطقة لنقل خبرة التصدي لهجمات المسيّرات، مع قدرة إنتاجية تصل إلى 2000 مسيّرة اعتراضية يوميًا إذا توفر التمويل. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء، بل دليل على أن التكنولوجيا تحولت من مشروع بحثي إلى صناعة حربية واسعة النطاق.
الحرب في المنطقة، وما رافقها من هجمات بالصواريخ والمسيّرات وإغلاق مضيق هرمز، كانت بمثابة 'جرس إنذار' غير مسبوق. فجأة، لم تعد التهديدات نظرية، بل ملموسة، قادرة على إرباك منظومات دفاعية تكلف ملايين، باستخدام مسيّرة لا تتجاوز كلفتها عشرات آلاف الدولارات. وهنا لا بد أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن شراء التكنولوجيا بحد ذاته أمر طبيعي، لكن الاكتفاء بذلك هو الخطر الحقيقي. من يشتري طائرة مسيّرة دون أن يمتلك القدرة على تطويرها أو دمجها ضمن منظومته القتالية يبقى رهينة لغيره. ومن يعتمد على حلول سيبرانية جاهزة دون بناء قدرات وطنية، يظل معرضًا للاختراق عند أول تغير في المعادلات.
زيارة زيلينسكي تكشف بوضوح أن القيمة اليوم ليست في المنتج، بل في الخبرة المتراكمة. أوكرانيا لم تكن قوة تكنولوجية كبرى قبل الحرب، لكنها أصبحت كذلك لأنها استثمرت تحت الضغط، وربطت التكنولوجيا مباشرة بالبقاء. وهذا ما تفتقده كثير من الاستثمارات التقنية في المنطقة: غياب الشعور بأن التكنولوجيا مسألة سيادة، لا رفاهية.
الاستثمار في التكنولوجيا يجب أن يُعاد تعريفه بالكامل: ليس كجزء من تحسين الخدمات فقط، بل كجزء من منظومة وطنية شاملة تشمل الدفاع والهجوم والأمن السيبراني والسيطرة على البيانات واستمرارية العمليات. التحدي الحقيقي ليس في بناء تطبيقات ذكية، بل في بناء 'قدرة ذكية': القدرة على إنتاج المعرفة لا استيرادها، القدرة على التكيف مع التهديدات لا مجرد الاستجابة لها، والقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص لتطوير صناعات وطنية كما فعلت أوكرانيا. فالرسالة واضحة: الدول التي لا تستثمر في التكنولوجيا كأداة سيادية ستجد نفسها مضطرة لشرائها في لحظة الخطر، وبشروط الآخرين.












































