اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
«شكراً للجمهور إللى فهم أخيراً إن إحنا بنقدم مادة ساخرة ومش قصدنا نزعل حد»، بهذه الكلمات شكرت ياسمين عز جمهور برنامجها «كلام الناس» إبان حفل توزيع جوائز The Best الذي أقيم في أكتوبر من هذه السنة، لتبدأ موجة جديدة من الجدل حول مصداقية هذه المذيعة وحول مسؤوليتها عما تقول في البرنامج، وكذلك عن حقيقة كون هذا البرنامج هزلياً ساخراً، وهو التوصيف الذي لم يكن معلناً أو واضحاً أو حتى ملمحاً به تجاه هذا البرنامج الغريب. فما الذي دفع عز لتبرير فحوى كهذه لبرنامجها الآن وبعد خمس سنوات من انطلاقته، وبعد ثلاث سنوات من تقديم شكوى من المجلس القومي للمرأة في مصر في 11 يناير 2023 إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بدعوى التحريض على العنف، والتنمر على الأسرة المصرية، وإهانة المرأة وتحقيرها؟
لطالما وجدت في شخصية ياسمين عز جانباً أبعد من مجرد ذلك المستميت للحصول على الشهرة والشغف بالوصول إلى النجاح بأي أسلوب رخيص أو مبتذل. هناك شيء غريب في هذه السيدة، عقدة ما كامنة في داخلها، مرض نفسي أو حتى عقلي متمكن من توجهها، وواضح ليس فقط من خلال الأفكار التي تطرحها، ولكن كذلك من خلال الأسلوب الذي تستخدمه، نظرة عينيها، ولغة جسدها ككل. شيء ما غير مستقر، مخيف، وعميق الاضطراب الذهني يدور في ممرات عقلها، شيء يستدعي فحصها نفسياً وعقلياً، لا رفع قضايا عليها، وبالتأكيد لا تزويدها بتكريمات وجوائز.
لم يكن هناك ما يشير إلى أن برنامج عز كان ساخراً، ولم تكن هي بكلماتها ولغة جسدها توحي مطلقاً بأنها تسخر من الأفكار المريبة الغريبة التي كانت تطرحها. لم يكن الفحوى ينطوي على أي مادة أبعد من إهانة المرأة وتحقيرها وتعظيم الرجل بشكل مرضي مريب يشير إلى اضطراب ذهني ما عند صنّاع هذه المادة ومقدمتها. فكل ما كانت تذكره عز يقف حرفياً عند حافة الجنون، كلام لا يخطر على بال أحد بطريقة صياغته وبنوعية أفكاره وبأبعاده الغرائبية التي لا يمكن فعلياً تصنيفها، أبعاد تقف بين الهزل والجد والجنون والغرابة والتآمر والسفه.
دع عنك أنها تسمي الرجل فرعوناً صغيراً، وأنها تدعو المرأة لاستخدام صوتها الشتوي معه، وصولاً إلى كل المفاهيم التقليدية المتطرفة للطاعة، وللخدمة، والإرضاء الجسدي، وللوقوف على كل طلب وقفة خادم في حضرة سيده. لكن أن تتكلم عز بجدية عن الاكتفاء بنور الزوج وإطفاء أنوار البيت حفاظاً على الكهرباء أو عن منع وضع الخيار والطماطم في طبق واحد لأن أحدهما مذكر والآخر مؤنث، أو أن تبرر أن الرجل الذي «يجري ورا الستات» إنما هو يمارس رياضة الجري، ما يدل على صحته الجسدية والعقلية، إلى غيره من خطاب يقف بين حافة السفه والجنون، وأن تقدم خطاباً كهذا في برنامج جاد يستضيف نجوماً على الساحة المصرية/ ويقَدَّم على قناة مهمة معروفة… هنا لا بد من طرح السؤال: هل هذه السيدة بكامل قواها العقلية وصحتها النفسية؟ هل طلب الشهرة والانتشار ممكن أن يكون عصابياً لحد يجعل محطة تلفزيونية شهيرة تبث مادة كهذه لا يمكن حتى تصنيفها أو استيعابها؟
حقيقة، هذه السيدة تشكل لغزاً غامضاً، لغزاً يقف حله بين مرض نفسي ورغبة مذلة للشهرة وسفه عقلي يجعل صاحبه غير قادر على تمييزه وغير متمكن من استيعاب إلى أي درك إعلامي وترفيهي أسفل قد وصل هو ومادته. لربما تكمن الإجابة في مساحة السوشال ميديا التي نرى فيها الناس تُضرب وتُهان وتنحل ويجن جنونها، بل وتعرض نفسها لمخاطر جمة من أجل إعجاب أو متابعة، لربما هي هذه المساحة الجديدة التي هبطت بالتقييم الحالي للمادة المقدَّمة عند أدنى مستوى، لربما هو هذا التكرار العصابي للمادة وانتشارها العالمي غير المسبوق الذي جعل هذا الهبوط هو ما يشكل الذائقة العامة، ما يصيغ تقييمنا للمضحك والمقبول، ما يحدد الأولويات والأهداف. الأولوية هي الانتشار، هي «اللايك»، هي الإعلانات، هي الأرباح، كلها تأتي أولاً، قبل الكرامة واحترام الذات، وفوق قيمة المادة وأهميتها، وتقدماً عن سلامة الناس وصحتها الذهنية، وسابقة للحقوق الإنسانية والقيم الأخلاقية. أهم شيء «اللايك» والاشتراك في القناة.
وفيما نحن نقف على حافة هاوية حرب عالمية ثالثة، وعلى حين أنني أكتب من أقرب نقطة لنقطة الصفر الجنونية، لا أجدني أود الكتابة عن الحرب الترامبية المعتوهة المتوقعة، عسى أن تخيب التوقعات، لكن أجدني أود الكتابة عن الحرب العقلية والنفسية القائمة والمستمرة كل يوم على عقول البشر وأرواحهم عبر الإعلام التقليدي والحديث التواصلي، أجدني مرعوبة من عقل ياسمين عز تماماً كرعبي من عقل دونالد ترامب، كلاهما عقل لا يمكن سبر أغواره أو فهم مقاصده، كلاهما يرمي بكلمات مشوهة وبأفكار مريضة وبانطلاقة وثقة مريبين، وكأن عالمهما المقام في عقلهما هو الطبيعي، والطبيعي الذي نعرف أصبح هو المريب، لتنتهي الأمور إلى ترامب ونتنياهو يترشحان في عدة مناسبات لنوبل للسلام، وياسمين عز تحصد جوائز وتكريمات. شيء ما ليس طبيعياً ولا متزناً يحدث في عالمنا هذا.
يبقى أن حرية الرأي لا بد أن تبقى مصونة رغم كل هذا الجنون، لا بد أن تكون هناك مساحة، للأسف، لبرنامج ياسمين عز على الشاشات بجانب البرامج الجادة المفيدة التي تزاملها. هذه هي الممارسة الحقيقية لحرية الرأي والتعبير؛ أن تكون المساحة متاحة للجميع، وأن يكون الاختيار متاحاً الجمهور. لربما هي القناة التي تحترم مادتها وجمهورها، هي التي يفترض بها أن تختار فتقبل أو ترفض، لا أن يتم منع المادة بتدخل قضائي. وفي النهاية، ياسمين عز تقدم خدمة خفية حقيقية، هي تظهر سخف وسطحية وعنصرية التفكير الذكوري والتوجهات القمعية التعذيبية للنساء في الواقع. هي تقدم كوميديا سوداء وإن لم يكن هذا هدفها ومرادها، كوميديا قادرة على استثارة حوار مهم حول الحقوق والمظالم والتوقعات المجتمعية والخطابات الذكورية التي تسفه العقول، وتهدد الحيوات، وتخل ليس فقط بالأمن الجسدي والنفسي ولكن حتى بالاتزان العقلي والسلوكي. ياسمين عز هي المثال الأوقع حول ما يفعله الخطاب الذكوري وإلى أي طريق يقود. لذا، ورغم بشاعة البرنامج وغرابته، ندفع ثمنه كمشاهدين حتى نضمن حرية الرأي والتعبير، وحتى نتحصل على فوائده الجانبية.
أخيراً: مبروك الفوز المهيب، السيناتور عبد الرحمن السيد.












































