اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تموز ٢٠٢٦
د. علي الخشيبان
واقعية السياسة السعودية أصبحت أمرًا لا بد من قبوله في المنطقة، بغض النظر عن التوازنات الأخرى، وظهور الوفد السعودي في طهران رغم ما حدث خلال الأربعة أشهر الماضية، يؤكد أن العلاقات الخليجية مع إيران لا يمكن أن تتم من خلال مؤثرات خارجية بعيدة عن المنطقة..
ظهر وفد سعودي كبير في طهران للمشاركة في جنازة المرشد الإيراني علي خامئني، الذي اغتيل في نهاية شهر فبراير 2026م عبر غارات جوية نفذتها إسرائيل وأميركا، هذا الظهور هو في حقيقته يحمل دلالات دبلوماسية كبرى لا يمكن فهمها إلا من خلال السياق الاستراتيجي الذي تمر به المنطقة، فالاستراتيجية الدبلوماسية السعودية ومنذ عقد من الزمان اتجهت نحو القيم والمؤشرات الهادفة إلى ترسيخ واقعية سياسية بعيدة عن الحسابات الجانبية المؤقتة، ومن هنا، كان هذا السلوك الدبلوماسي عبر إرسال وفد بهذا الحجم مؤشرًا واضحًا على طبيعة المرتكزات التي أصبحت تستند إليها السياسات السعودية حالياً.
ولكي تكون الصورة أقرب للفهم بالنسبة للمتسائلين حول هذا الظهور السعودي، فإن محور الواقعية السياسية وأساسها العملي يستند على فهم المحيط السياسي كما هو وليس كما ينبغي، ومن هنا تثبت الواقعية السياسية أنها تمنح الأولوية دائمًا للمصالح الوطنية والموازين الاستراتيجية، ولذلك فإن الأبعد في السياسة السعودية يتجه نحو الحفاظ على بنية الإقليم واستقراره ومنع المزيد من التصعيد ومضاعفة صراعات المنطقة لمجرد اتخاذ مواقف دبلوماسية خاطئة، فما يخص هذا الظهور لا بد وأن يقرأ وفق مسار ينطلق من التزام سعودي بالتقارب الدبلوماسي مع إيران من خلال اتفاقية عام 2023م وهذا الالتزام السياسي يتطلب وعياً دبلوماسيًا يحافظ على مسافة استراتيجية واضحة ومتزنة تعكس التزام سعودي بالمعايير الدبلوماسية مع المحافظة على المصالح الاستراتيجية السياسية والاقتصادية والأمنية.
من الواضح أن السياسة السعودية تسعى إلى تفادي أن تنشأ بينها وبين إيران حالة جيوسياسية تكون محفوفة بالمخاطر وتساهم بمضاعفة الخلل بين الدولتين، وهذا التوجه السعودي ينطلق كما يبدو لي من فهم سعودي عميق للحالة السياسية التي تمر بها المنطقة والتي تتعرض لتدخلات خارجية وحروب مباشرة من دول كلها تقع خارج الإقليم، من هنا يتضح أن السياسة السعودية الراغبة في ترسيخ مكانتها كقائد عربي وإسلامي صاعد إلى مصاف الدول المتوسطة عالميًا أصبحت اليوم تفضل التعامل بواقعية مع القيادة الإيرانية دون تفسيرات جانبية مرتبطة بنتائج أو حالة حرب إيران مع أميركا وإسرائيل.
الحالة السياسية في المنطقة أثبتت أن الدول الإقليمية والخليجية التي مرت بحالة ارتباك سياسي والتي تحاول جلب الاستقرار من خارج المنطقة لم تنجح، فجلب الاستقرار من الخارج نظرية سياسية لم تثبت فاعليتها عبر التاريخ، ولذلك فمن المتوقع أن يثير هذا الظهور السعودي في طهران الأفكار التي ترى أن علاقة المنطقة مع إيران هي علاقة لا تقبل الواقعية ويجب دفعها نحو حافة الاختلاف وعدم التوافق، وهذا خطأ استراتيجي لأن التصعيد في الخليج سيضاعف الأزمات بشكل مكلف مما يعني المزيد من فرص الاختلاف.
العلاقات الخليجية الإيرانية لا يمكن أن تمر إلا عبر بوابة السعودية، الدولة الأكبر في المنطقة وحجر الزاوية في النظام الشرق الأوسطي والإقليم، ومن هنا عملت السعودية خلال المرحلة الماضية على خلق التوازن مع إيران كجار خليجي فرضته الجغرافيا مما يتطلب ضرورة التعامل معه عبر بناء استراتيجية احتواء ترفض العاطفة وتبقي المنطقة في حالة استقرار، جميع الدول الراغبة في تصعيد سياسي مع إيران لا يمكنها في الواقع الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، لذلك فإن الحلول المتوازنة سياسياً هي ما يجب القيام به اليوم.
ما يتطلب فهمه اليوم هو أن الخليج كمساحة جغرافية وبحرية يمتلك الأهمية الدولية المباشرة، لذلك فإن أي تصعيد له من الآثار الجانبية التي لا يمكن للمنطقة تحملها على المدى الطويل، فالخليج مساحة توجد فيها الكثير من القوى التي يهمها استقرار هذه المنطقة، السلوك السياسي السعودي يعكس فكرة مهمة تتمثل في تضييق الانقسام الجيوسياسي حيث تراهن السعودية على أن منتجات الحرب الأخيرة سوف تسهم بشكل مباشر في التهيئة لتحول جذري في التفكير الاستراتيجي في إيران.
واقعية السياسة السعودية أصبحت أمرًا لا بد من قبوله في المنطقة بغض النظر عن التوازنات الأخرى، وظهور الوفد السعودي في طهران رغم ما حدث خلال الأربعة اشهر الماضية، يؤكد أن العلاقات الخليجية مع إيران لا يمكن أن تتم من خلال مؤثرات خارجية بعيدة عن المنطقة، من هنا تدرك القوى الفاعلة في المنطقة أنه لا يمكن خدمة المصالح الإسرائيلية أو حتى الأميركية على حساب استقرار المنطقة سياسياً واقتصادياً، فنحن في مساحة جغرافية ينظر إليها دولياً كأحد أهم معالم الاستقرار الدولي الذي يجب المحافظة عليه.










































