اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
فهد الأحمري
هناك منجزات نراها، وأخرى نسير فوقها كل يوم حتى نكاد لا نراها.. والطرق من النوع الثاني.
في لقاء جمعنا مؤخرا بمعالي الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للطرق المهندس بدر الدلامي، قلتُ في مداخلتي: إن من حقنا أن نفتخر بما وصلت إليه الطرق السعودية، فنحن نتحدث عن شبكة تمتد عبر بلد تتجاوز مساحته مليوني كيلومتر مربع، بتضاريس تتدرج من الصحارى إلى السواحل والجبال والأودية، ومع ذلك تحولت الطرق إلى أحد الشرايين الكبرى التي ربطت أطراف المملكة، ودفعت التنمية إلى أماكن كان الوصول إليها يوم تحد بحد ذاته.
والأرقام هنا ليست للزينة. ففي النصف الأول من 2026 وحده دشنت الهيئة 40 مشروعا بأكثر من 900 كيلومتر، فيما تعمل وفق مستهدف واضح لرفع جودة الطرق والسلامة وكفاءة الشبكة. لكن الإشادة الحقيقية لا تعني أن نصفّق للطريق الجيد، ونتجاوز الطريق الذي ينتظر دوره.
ولهذا انتقلت في مداخلتي من الصورة الكبيرة إلى نقطة صغيرة على الخريطة، لكنها كبيرة في حياة أهلها: عقبات المناطق الجنوبية، وذكرتُ -تحديدا- عقبة الجعدة، وما تمثله هذه الطرق الجبلية من تحد مستمر.. فالجنوب ليس جغرافيا سهلة؛ جبال السروات نفسها جعلت إنشاء العقبات واحدا من أعقد فصول شبكة الطرق السعودية، حتى باتت المملكة تضم 122 عقبة جبلية تمتد لنحو 264 كيلومترا.
وكان المهم في رد معاليه أنه لم يتعامل مع الملحوظة باعتبارها انتقاصا من الإنجاز، بل أوضح أن العقبات تحظى باهتمام كبير، وأن هناك مشاريع ودراسات لمعالجتها وتطويرها، وأن طبيعتها الجغرافية والهندسية تجعل التعامل معها مختلفا عن الطرق التقليدية.
وهنا، في رأيي، تكتمل صورة الإنجاز.. فالمؤسسة الناجحة ليست التي تعرض أفضل طرقها فقط، بل التي تعرف أين يوجد الطريق الذي لم يصل بعد إلى طموحها.
نحن لا نطلب من هيئة الطرق أن تجعل الجبل سهلا؛ فهذه جغرافيا لا تتغير.. لكننا ننتظر منها أن تجعل عبور الصعب أسهل، وعبور الخطر أكثر أمانا.
لقد قطعت المملكة مسافة هائلة في تطوير طرقها، وربما لهذا -تحديدا- أصبحت ملحوظات الناس أكثر أهمية؛ فالطريق الجيد لا يُسكت النقد، بل يرفع سقفه.. وحين يرى المواطن ما استطاعت المملكة إنجازه في مكان، يصبح من حقه أن يسأل: لماذا لا يصل هذا المستوى إلى المكان الآخر؟ فالطريق العظيم لا يقاس فقط بعدد الكيلومترات التي أنجزناها.. بل بعدد الكيلومترات التي لم نعد نقبل أن تبقى أقل من طموحنا.
حين يرتفع مستوى الطريق، يرتفع معه سقف السؤال.. فالمنجز الحقيقي لا يجعلنا نكتفي بما تحقق؛ بل يجعل ما كنا نقبله بالأمس أقل مما نقبله اليوم.










































